-
اتبعني
تابعني على تويتر
-
التدوينات RSS
اشترك في خدمة RSS
-
فيس بوك
انضم للمعجبين في FACEBOOK
0 ملف الطاقم الطبي : أخطر في حلق السلطة البحرينية
الاثنين، 17 أكتوبر 2011
التسميات:
حقائق مغيبة
ملف الطاقم الطبي : أخطر في حلق السلطة البحرينية |
"كان الأطباء، السمكة التي أرادت السلطة أن تبلع بها حقيقة ضحاياها، فابتلعتها سريعاً في قضمة واحدة، ونست أن الشوكة أخطر ما فيالسمكة" بالتزامن مع ما يتعرض له الكادر الطبي من محاكمات وانتهاكات وتشويه لبياض مهنته، تنشر مرآة البحرين، على حلقاتمجموعة من التقارير الخاصة التي تحاول أن تجيب على الأسئلة التالية: لماذا الأطباء والكادرالطبي أكثرمن غيرهم؟ ماالخطرالذي يمثله وجود هؤلاءعلى السلطة؟ كيف سارسيناريو الأحداث في مستشفى السلمانية الطبي منذ 14 فبرايرحتىالآن؟ وكيف عاش الكادر الطبي الأوقات العصيبة وغير الاعتيادية التي فاجأته بشكل لم يكن مهيأً لها؟ وكيف تطورتالأحداث المتلاحقة خارج المستشفى، وماتأثيرها على الداخل؟ وماالذي عايشه الأطباء من إذلال وتنكيل داخل مستشفىالسلمانية والمراكزالصحية المختلفة، وداخل زنازين السلطة؟ ماالذي واجهه المسعفون؟ وكيف تمّ التنكيل بهم؟ (جميع الحلقات). |
الحلقة الأولى - شوكة الأطباء
"كان الأطباء، السمكة التي أرادت السلطة أن تبلع بها حقيقة ضحاياها، فابتلعتها سريعاً في قضمة واحدة، ونست أن الشوكة أخطر ما في السمكة" مراقب
مرآة البحرين (خاص): لماذا الأطباء والكادر الطبي أكثر من غيرهم؟ ما الخطر الذي يمثله وجود هؤلاء على السلطة؟ كيف سار سيناريو الأحداث في مستشفى السلمانية الطبي منذ ١٤ فبراير حتى الآن؟ وكيف عاش الكادر الطبي الأوقات العصيبة وغير الاعتيادية التي فاجأته بشكل لم يكن مهيئاً لها؟ وكيف تطورت الأحداث المتلاحقة خارج المستشفى، وما تأثيرها على الداخل؟ وما الذي عايشه الأطباء من إذلال وتنكيل داخل مستشفى السلمانية والمراكز الصحية المختلفة، وداخل زنازين السلطة؟
كل هذه التساؤلات، سيحاول هذا التقرير الدخول في تفاصيلها على شكل حلقات. مصادرنا هي شهادات من عناصر الكادر الطبي الذين لن نتمكن من ذكر أسمائهم، والحوادث الموثقة والبيانات، بالإضافة إلى إفادات الأطباء والشهود المدونة في محاضر الأمن التي حصلنا عليها بشكل خاص.
البداية
البداية كانت في 14 فبراير. اليوم الأول لبدء الاحتجاجات التي تحمل شعار "الشعب يريد إصلاح النظام" رجال الأمن يقمعون الاحتجاجات السلمية التي خرجت في مناطق متفرقة من البحرين. مستشفى السلمانية تصله عدد من الحالات والإصابات والاختناقات بالغازات المسيلة للدموع، قبل أن تصل حالة الوفاة الأولى، إنه علي مشيمع (21 سنة) أول ضحية في الأحداث. ما يقارب من الـ 50 متجمهراً من أقارب مشيمع توافدوا فوراً إلى المستشفى. تزايد العدد بعد ساعات ليصير 800 حسب إفادة الرئيس التنفيذي للمستشفيات وليد المانع، في ملفات التحقيق، لم تتمكن إدارة المستشفى من إخراجهم، قوات الأمن العام وصلت المستشفى مبكراً، لكنها لم تتمكن من السيطرة على الجماهير الغاضبة، المتجمهرون دخلوا غرفة الإنعاش حيث جثة مشيمع. الإعلام الخارجي كان هناك، دخل غرفة الإنعاش والتقط صور جثة مشيمع. وحسب إفادة وليد المانع، فإنه عند إخبار الوكيل المساعد لشؤون المستشفيات الدكتور أمين الساعاتي، أجاب أنه لا يستطيع القيام بشيء. تم نقل الجثة إلى المشرحة. الفوضى لا تزال قائمة في المستشفى حتى حضر نائبان من جمعية الوفاق، استطاعا السيطرة على المتجمهرين، غادر المتجمهرون الساعة الواحدة صباحاً. الأمن أيضاً وصلهم الأمر بالإنسحاب، انسحب الجميع.
"الأطباء المتهمون لم يكونوا حاضرين هذا المقطع من الحدث، إدارة مستشفى السلمانية وحدها كانت من يدير الوضع هناك، لم تتمكن الإدارة من السيطرة على هذا العدد القليل نسبياً من المتجمهرين الغاضبين، رغم أن خطة الطوارئ كانت قد وضعت قبل هذا الحادث بأيام، وذلك إثر الاعلان عن تاريخ بدء الاحتجاجات الشعبية في شبكات التواصل الاجتماعي" تقول إحدى الطبيبات.
في إفادته التي أدلى بها إلى النيابة، يؤكد المانع أن الوزير السابق فيصل الحمر وجه إلى اجتماع للاستعداد لإدارة الأزمات من باب احترازي، ترأسه الوكيل الساعاتي، وتم فيه توزيع المهام على المسؤولين في المستشفى للقيام بالإجراءات اللازمة. لكن منذ اليوم الأول، فشلت تلك الإدارة في (إدارة) الأزمة الاحترازية.
صباح 15فبراير
صباح 15 فبراير تشييع القتيل الأول. تجمهر المشيعون عند مستشفى السلمانية منذ الصباح الباكر، الأمن أيضاً.
الأمن يقوم بضرب المتجمهرين بمسيلات الدموع والرصاص المطاطي. الجنازة تخرج من السلمانية إلى منطقة البلاد القديم ثم تنعطف يمين منطقة جدحفص وتنتهي عند مقبرة السنابس. لكن حدثاً آخر يجعلها لا تنتهي "كنا في الجنازة عندما سمعنا بسقوط القتيل الثاني" يقول أحد المشاركين. إنه فاضل المتروك (32 سنة) سقط أثناء خروجه للمشاركة في تشييع الأول. التجمهر يعود إلى مستشفى السلمانية في عدد أكبر. الغضب يتصاعد، الهتاف يحتد: "الشعب يريد إسقاط النظام".
ظهراً، يخرج الملك على شاشة التفزيون، يعرب عن أسفه للحدث الذي وقع: "على ضوء ما جرى من حوادث متفرقة يوم أمس واليوم وكانت هناك للأسف وفاة لاثنين من أبنائنا الأعزاء، وعليه نتقدم بتعازينا الحارة لذويهما وأن يلهمهم العلي القدير الصبر والسكينة والسلوان. كما ليعلم الجميع بأننا قد كلفنا سعادة الأخ جواد بن سالم العريض نائب رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة خاصة لمعرفة الأسباب التي أدت إلى تلك الأحداث المؤسفة التي جرت".
يتم تشييع المتروك بتاريخ 16 فبراير دون تدخل رجال الأمن، وذلك في اليوم الثاني من الوصول للدوار الذي كان خالياً أيضاً من رجال الأمن . وهذا ما أتاح لعشرات الآلاف أن تتوافد حاملة غضبها إلى دوار اللؤلؤة. في مساء 15فبراير بدأ نصب الخيم والتمهيد لاعتصام أعلن أنه يمتد حتى تحقيق المطالب.
خيمة الأطباء
الحضور الرسمي للأطباء بدأ من هنا. المقدمات السابقة، جعلت عدداً من الأطباء يتفقون على أهمية وجود خيمة طبية في مكان الاعتصام، تحسباً لأي طارئ أو حادث غير متوقع.
تم نصب خيمتين طبيتين، تم تجهيزهما بمواد أولية، الطبيب علي العكري تجري محاكمته الآن بتهمة سرقة مواد طبية للخيمة. لكن وثيقة تم تسريبها تقول غير ذلك، وفيها طلب رسمي قدمه عبد الحي العوضي رئيس بمجمع السلمانية الطبي، إلى وليد المانع الإداري التنفيذي، أن يوفر مواد وأجهزة صحية للعيادة في دوار اللؤلؤة، وذلك بناء على طلب من الدكتور علي العكري. هكذا تقول الوثيقة الرسمية التي نشرتها "مرآة البحرين" قبل أسابيع.
هناك أطباء، أحضروا معدات من عياداتهم الخاصة، ووضعوها في الخيمة "تركتها على أن أستعيدها بعد انتفاء الحاجة لها، لكنها ذهبت جميعها في الهجوم الأول على الدوار" يقول أحد الأطباء.
بدأ التنظيم لأوقات العمل على 3 فترات، على أن يكون هناك طبيب مناوب واحد في كل فترة. الوكيلان المساعدان مريم الجلاهمة وأمين الساعاتي، اقترحا إعطاء الأطباء المناوبين بدل مناوبة، سواء في الرعاية الصحية الأولية أو الثانوية. الأطباء رفضوا، اعتبروا أنهم يقومون بعمل تطوعي لخدمة المصابين "لم يكن هدفهم الخروج ضد النظام ولا أن يهتفوا ضده، هم ليسوا سياسيين، بل أطباء، يؤمنون أن إسعاف المصابين واجباً إنسانياً ومهنياً" يقول أحد الأطباء.
الأمور سارت على نحو هادئ فيما تبقى من يوم 15 فبراير، استمر كذلك طوال اليوم التالي، آلاف المعتصمين ينصبون خيماً جماعية يطالبون بالإصلاحات، مستشفى السلمانية غاب عن الحدث منذ ظهر الدوار، خيمتا الأطباء كانتا تمثلان الحضور الاحترازي هذه المرة.
فجر17فبراير الطويل
فجر 17 فبراير، كل من الطبيبين علي العكري وصادق العكري في مناوبتهما الليلية في خيمتي الأطباء مع بقية الطاقم الطبي. كان حدث آخر ينتظر الجميع. حدث لم يتوقعه أحد منهم ولم يتخيلوا وحشيته. هجوم مباغت من قوات الأمن عند الثالثة فجراً في هدوء الخيام والناس. الطبيبان تعرضا إلى هجوم مباشر، وشاهدا بأعينهما وحشيته مع وجود النساء والأطفال. اقتحم الأمن الخيمة التي يناوب فيها علي العكري. قال لهم: رجاءً لا تضربوا، جميعنا طاقم طبي أتينا فقط لحالات الطوارئ. تم القاء مسيلات الدموع داخل الخيمة. أخرج العكري معه عدد من الطاقم الطبي في سيارته وتوجهوا إلى مستشفى السلمانية.
صادق العكري كان في الخيمة الأخرى، غادرها قبل أن يتذكر أن أحد أفراد الطاقم الطبي نائماً هناك. عاد ليطمئن عليه فداهمته قوات الأمن. لم يشفع له رداءه الأبيض وإخباره لهم أنه طبيب. تم ركله بالأحذية وضربه بالهراويات والأسلحة، فكانت إصابته التى نقل على إثرها إلى غرفة العمليات.
نداء الاستغاثة لسيارات الإسعاف أطلق مباشرة بعد وصول خبر ضرب الدوار، خرجت بين الساعة 3:30- 6:30 صباحاً فقط، اختفت بعدها.
المصابون لجأوا إلى مجمع السلمانية الطبي، اعتبروا الحرم الطبي مكاناً آمناً، الطاقم الطبي في حالة ذهول. لا أحد يعرف حجم المصابين وعددهم وإصاباتهم. الحالات والإصابات بدأت تتوافد إلى المستشفى في سيارات خاصة. بدأ التجمهر مرة أخرى. هذه المرة بغضب أكبر وهيجان أكبر وعدد أكبر. الحدث كان صادماً للجميع، قتيلان سقطا وعشرات الجرحى توافدوا على المستشفى.
بعد الساعة الثامنة صباحاً، حدث ثوران شعبي عارم، أعداد غفيرة احتشدت عند المستشفى. المحتجون حاولوا العودة للدوار. قوات الأمن واجتهم بمسيلات الدموع والرصاص المطاطي والإنشطاري عن قرب، إلى الحد الذي تم فيه تفجير رأس ضحية ثالثة بتصويب مباشر، الحادث، شهدته الصحفية نزيهة سعيد ونقلته للإعلام، وفي شهادتها الشفهية لمرآة البحرين، أضافت أنها شاهدت كذلك فيما تظنه الشهيد على المؤمن وفق المواصفات التي قرأتها لاحقا عنه. إصابات مختلفة ومتفاوتة دخلت المستشفى، إحدى الحالات تعرضت لإصابة بالرصاص الإنشطاري في الرقبة، تم إنقاذها، بعد عمل الأشعة لها اتضح أن الرصاص الإنشطاري منتشر في كامل الرئة، لكنها نجت من الموت.
قوات الأمن تقدمت من جهة الدوار باتجاه مجمع السلمانية. وصلت مستشفى الطب النفسي، وهنا بدأ منع المسعفين من الوصول إلى الدوار، تم توقيف المسعفين وضربهم.
الأطباء في مفاجأة الحدث والتعامل مع الحالات التي تصل إليهم، وفي ترقب ما يصلهم من حالات جديدة. الطوارئ تحول إلى فوضى عارمة بسبب العدد الكبير من أهالي المصابين والمتجمهرين. الأطباء قالوا سنخرج مع سيارات الإسعاف لاحضار المصابين من الدوار، لكن سيارات الإسعاف اختفت فجأة. عندما سأل الأطباء عنها أخبرتهم الإدارة أنه بسبب التجمهر وعدم قدرتها على التحرك بسهولة، فقد تم سحب السيارات إلى مركز كانو الصحي. أطباء ذهبوا إلى مركز كانو الصحي ليخرجوا مع الإسعاف من هناك، لكنهم تفاجئوا أن الباب مقفل من الخارج . كانت الساعة لا تزال التاسعة صباحاً، الإصابات لا تزال تأتي السلمانية بسيارات مدنية.
الإسعاف الحائر
بين الساعة التاسعة والحادية عشرة، يبدأ استنفار الأطباء، كيف يمكن الوصول إلى الحالات التي لا تزال في الدوار، وسط الحصار الأمني الذي أغلق كل الطرق الموصلة إليه، وكيف يتأكد الأطباء أنه تم إخلاء الدوار من الجرحى والمصابين. الإسعاف ممنوع من الوصول إلى مكان الحدث والمسعفون تعرضوا للضرب وتم سحب سيارات الاسعاف منهم. مجموعة من الأطباء تذهب للالتقاء بوليد المانع ليتم السماح للإسعافات بالخروج. بعد الساعة11:30 يأتي الإذن بخروج الإسعافات من الوزير. منذ السادسة والنصف وحتى الحادية عشرة والنصف كان الإسعاف ممنوعاً من الوصول إلى الدوار "لا أحد يعرف سبب منعنا من الوصول إلى الدوار قبل هذا الوقت، لا تفسير له سوى أن الأمن كان لديه مهمة خاصة ينجزها هناك طوال الساعات الخمس هذه، وعندما انتهى من مهمته الخاصة، سمح للاسعاف والكادر الطبي بالوصول" تقول إحدى الطبيبات.
قبل الإذن للإسعافات بالخروج، كانت حالة أقرب إلى الثورة الغاضبة يعيشها الطاقم الطبي. عند بوابة قسم الطوارئ انقسم الأطباء إلى قسمين. فريق يقول بالخروج والتظاهر احتجاجاً على منع سيارات الإسعاف من الوصول للجرحى. هذا الفريق يضم علي العكري الذي كان شاهداً على وحشية الهجوم وما أصاب قريبه صادق العكري. الفريق الآخر يضم زميله نبيل تمام، ويرى أن يبقى الأطباء لمعالجة المصابين. خرجت المجموعة في مسيرتها الاحتجاجية بشكل عفوي وتحت تأثير الحدث الساخن الذي عايشه الكادر الطبي للمرة الأولى في تاريخ البحرين. المجموعة الثانية اجتمعت بعد أن أعطاها الوكيل أمين الساعاتي الضوء الأخضر، وتم الإعلان في أجهزة المناداة داخل السلمانية عن اجتماع للأطباء، حضره ما يقارب 50 طبيباً، الهدف هو التهدئة ومحاولة الوصول إلى حل مشكلة الفوضى التي كانت قد سيطرت على المستشفى بالكامل.
في الاجتماع تم الاتصال برئيس جمعية الأطباء أحمد جمال والنائب علي ابراهيم. بعدها يصدر بيان إدانة من الجمعية: "إن ما حدث هذا اليوم من استخدام للعنف المفرط والغير مبرر من قبل أجهزة الأمن والذي نتج عنه وفيات وإصابات بالغة بين جموع المواطنين المعتصمين سلميا بكفالة الدستور والأعراف الدولية لمهول وغير مقبول، كما أن منع الطواقم الطبية والمهنية من أداء واجبها في إسعاف المصابين ونقلهم إلى المستشفى أمر لا تقره الشرائع الدولية والإنسانية وعليه، فإن كل من جمعية الأطباء البحرينية وجمعية أطباء الفم والأسنان البحرينية، تدين وتستنكر هذا العنف غير المبرر تجاه المواطنين المسالمين والطواقم الطبية التي تقدم لهم الإسعافات اللازمة، والذي نتج عنه أيضاً إصابة عدد من أفراد الطواقم الطبية بجروح بليغة. ونطالب الدولة وعلى رأسها جلالة الملك للتدخل السريع لوقف هذه التصرفات والإجراءات الضارة بالمواطنين والوطن والحيلولة دون بث الفرقة والهلع في صفوف المجتمع الواحد والآمن. والله ولي التوفيق".
الحادية عشرة والنصف، يتزامن خروج الفريق الأول من الأطباء في المسيرة الاحتجاجية، مع اجتماع الفريق الثاني، مع بيان جمعية الأطباء، مع صدور قرار الوزير أخيراً بالسماح للإسعاف بالخروج. الأطباء قطعوا مسيرتهم وركبوا الإسعافات وتوجهو للدوار "لم نجد شيئاً هناك. لماذا إذاً تم منع الإسعاف من الوصول إلى الدوار طوال الساعات الخمس؟ قمنا بمسح المناطق القريبة من الدوار لعل مصاباً هنا أو هناك، لكن لم نعثر على أحد" تشرح إحدى الطبيبات.
هل سيقف هنا ما عايشه الأطباء من أحداث مرعبة؟ الجمعة 18 فبراير، كان حدثاً جديداً أكثر تعقيداً ينتظر الأطباء. نكمله في الجزء الثاني من هذا التقرير.
..................................................... |
مرآة البحرين (خاص): "ألو.. أحمد.. ألو، تسمعني، أين أنت، إنّها كارثة.. كارثة.. لا أصدّق ما أراه!". كان ذلك المسعف المُعتقل أمين جعفر الأسود (مواليد 1975)، متحدّثا إلى زميله في العمل، بعد الهجوم الأوّل على دوّار اللؤلؤة فجر يوم الخميس 17 فبراير. يومها، كان المصابون والجرحى يتدفّقون على مستشفى السّلمانيّة، وبحسب أصدقاء أمين من طواقم الإسعاف والممرضين؛ فقد كان كلّ إداريي المستشفى متواجدين، يشاركون في إسعاف الجرحى وتقديم الخدمات الطبية. ينقلُ أحد الممرضين الذين رافقوا أمين في عمليات الإسعاف الدّاخلية، بأنّ عددا من موظفي المستشفى أنكروا دورهم العلاجي عندما اجتاحت القوّات العسكريّة مستشفى السلمانية بعد الهجوم الثاني على الدّوار في 17 مارس، بعضهم خوفا من الإجراءات العقابية، وبعضهم تحوّلوا إلى معاونين للإدارة العسكرية للمستشفى، وثمّة منْ بادرَ بتقديم قوائم بأسماء الذين شاركوا في معالجة المتظاهرين الجرحى. تحاشى المسعف أمين الظّهور في الإعلام، وتمنّع عن ركوب المنصّة مع الأطباء والمسعفين حين اقتحم المتظاهرون الدّوار لأول مرّة، برغم إلحاح الدّكتور علي العكري. لم يكن أمين معروفاً باهتماماته السّياسية، وهو لم يتعرّض سابقا لأيّ إيقاف أمني أو ما شابه، وكان أصدقاؤه يمازحونه بأنّه كان "جبانا ويهرب من أحداث التوتر طوال فترة التسعينات"، وهي الحقبة التي تشكّل فيها الجيل الشّاب الذي ينتمي إليه أمين، وخلالها رأى أصدقاءه وأهله وجيرانه يؤخذون إلى المعتقلات. حياته العادية، وعلاقاته المحبوبة بين الجميع لم تنبئ يوما بأنه كان بانتظار مرحلة مختلفة من حياته. منذ الأيام الأولى لسقوط الجرحى قرّر أمين اتخاذ طريقه المعروف. تفاجأ كثيرون للتحوّل الذي طرأ على حياته. حدث صراع مرير بينه وبين أهله الذين خافوا عليه، ورأوه يعطي كلّ ما لديه لأجل عمله ناسياً راحته وسلامته. كان يقول لهم: "إنّ عملي مسعفا هو جزء من حياتي، لن أتخلى على هذه المسئولية الإنسانية، مهما حصل لي". إضافة إلى دوامه الرسمي، يقضي أمين أكثر من 8 ساعات إضافية في علاج المصابين ومتابعة الحالات الوافدة إلى المستشفى وفي خيمة الإسعاف بدوّار اللؤلؤة. لم يكن يتقاضى أجرا إضافيا على عمله، ولم يطلب ذلك، وقد تأثر مشروعه الخاص (المطعم) بسبب انشغاله الدّائم في الاسعافات، واضطر إلى ترْك إدارته إلى شقيقه. يختصر أحد أقرباء أمين قصّته بالقول إن "أمينا كان في زيّه الرّسمي طوال الوقت. لم أره إلا نادرا بلباسه العادي". كان حاضرا في الإسعاف في كلّ المسيرات الاحتجاجية التي شهدتها البحرين في شهري فبراير ومارس، وحين كان يتردّد بعض زملائه في الذّهاب؛ كان يتقدّم ويتطوّع. يقول أحد زملائه: "كان موجودا بالإسعاف في مسيرة عالي المتوجّهة للدّيوان الملكي، ومسيرة قصر الصافرية، وأحداث المرفأ المالي. كان حاضرا بزيّه الرسمي، ويؤدي عمله بروح مليئة بالتفاني، والجميع لا يُخفي اندهاشه وهو يشاهده في نشاط مستمر ودون توقف". يستحضر زميل آخر مشهد أمين وهو ينقل المصابين - بعد انتهاء مسيرة الدّيوان - من أطراف المنطقة إلى المركز الصّحي في عالي. كان في حركة دائمة بين النقطتين لساعات متواصلة، "كان ينقذ المصابين، وهو يبكي بصمت. دموعه كانت في انهمار مؤثر". المشاهد المروّعة التي يراها أمين كلّ يوم لا تغادره في كلّ الأوقات. ينقلُ أهله أنه كان دائم الشّرود حينما يعود من عمله الطّويل. أحيانا، يردّد مع نفسه كلمات تنمّ عن الاندهاش والحيرة و"كيف يمكن أن يحدث كلّ ذلك؟ هل كان حلما أم حقيقة؟". معركة سترة يوم إعلان قانون الطّوارئ ودخول قوات درع الجزيرة البحرين، وقبل يوم من الهجوم الثاني على الدّوار؛ وصلت مستشفى السلمانية استغاثاتٌ من منطقة سترة التي اجتاحتها القوات ظهرا. كانت الأجواء مشحونة بالرّعب. انتشر الجيش السّعودي في المنطقة، مدعوما بقوات عسكرية متعددة وميليشا مدنية. الأنباء الواردة من هناك تحدّثت عن ضحايا ومجازر يتم ارتكابها في الشّوارع. الهجوم على مركز سترة الصحي، وصورة الشهيد أحمد فرحان؛ أعطت توضيحا كافيا لما كان يجري هناك. لم يتردّد أمين في أداء عمله والاستجابة للاستغاثات. جهّزَ الإسعاف مع السّائق، وتطوّع معه ممرض وطبيب (الدكتورة حنين البوسطة، ابنة المناضل اليساري أحمد البوسطة) للمرافقة. كان الوصول إلى منطقة سترة أمرا محفوفا بالمخاطر، فالموت ينتشر في الهواء. يقول أمين وهو يصف تلك اللّحظة "تذكرتُ كلام الدكتور علي العكري عندما كان يتحدث عن أجواء غزة حين زارها. دخلنا سترة، وكانت منطقة حرب حقيقية". عندما وصلت سيارةُ الإسعاف منطقة سترة، توجّهت إليها القواتُ العسكرية وقامت بملاحقتها وإيقافها. في البدء، تمّ تخريب إطارات الإسعاف لمنعه من التحرّك تماما. ثم أنزلوا الطاقم الطبي وانهالوا عليهم بضرب جنوني وكأنهم كانوا ينوون "قتلنا، فالأسلحة كانت فوق رؤوسنا كلّ الوقت"، يروي أمين. تعرّضت الدكتورة حنين لاعتداءات لفظية بذيئة، وهدّدوها بالاعتداء الجنسي. ولأنه مسعف ومسؤول عن سيارة الإسعاف؛ فقد نال أمينا الحجم الأكبر من الضّرب والاعتداء، وتعرّض نتيجة ذلك لكسر ثابت في فقرة الرقبة الثانية – وهي من الناحية الطبية إصابة محظوظة، وكان يمكن أن تتسبّب له بالشّلل – وبعد تقييد الجميع بقيد بلاستيكي من الخلف، تركتهم القوات على الأرض وأخلت المكان الذي كان يعج بأصوات الشباب وهتافاتهم الاحتجاجية. بعد ذلك، تقدّمت نحوهم مجموعة من شباب سترة، وقاموا بإنقاذهم في عملية وصفها شاهد عيان بأنها "تُشبه عمليه إخلاء الجرحى من ميادين القتال". تم توفير سيارة خاصة لنقل أمين والطاقم، ووفّر الشباب طرقا آمنة للانتقال بهم إلى بيت أحد الأهالي. تفاجأ الطاقم بما رأواه في البيت. لقد أصبحوا محاطين بمجموعات متفرّقة من الجرحى والمصابين الذين أتوا بمهمة معالجتهم. يقول شاهد عيان "كان المنظر غير محتمل. المتظاهرون الجرحى في كل مكان. أحدهم مُصاب بطلقة شوزن في عينه والدّماء تتفجّر منها، وبجانبهم الطاقم الطبي مُصاب وغير قادر على فعْل شيء، والمسعف أمين مُلقى على الأرض والجراح تسبح في كل مكان من جسمه، ووضْعه يقترب من الخطر". يضيف "كانت الطبيبة في ذهول تام، كانت تقول بأن نبض أمين بدأ بالهبوط، وأنها تخاف على حياته. كانت تحاول أن تفعل شيئا، ولكن لا أجهزة طبية، والجرحى الآخرون حولها يملأون المكان بالدّماء وأنّات الألم". رغم خطورة الأوضاع، تمكّن شباب سترة مرة أخرى من تأمين سيارة خاصة لإخراج الطاقم الطبي من المنطقة. سلكت السيارة طرقا التفافية، واستطاعت تجاوز القوات المنتشرة في كلّ مكان، ووصلت إلى مستشفى السلمانية. فور وصوله، احتشد الزّملاء حول الطاقم الذي انقطعت الاتصالات عنه تماما، وتم إدخال أمين إلى غرفة الإنعاش بعد عرْضه على الأشعة المقطعيّة. أمر الطبيب المُعالج بوضع "طوق رقبي" لأمين، ولمدة ستة أسابيع. بعد معالجته من آثار الرضوض بالمسكنات، أُدخل في غرفة خاصة بجناح (42). ينقل زملاؤه أنّ أمينا بقي محافظا على معنوياته العالية، وكان يُبدي أسفه لأنه ما عاد قادرا على أداء دوره في الإسعاف بسبب الإصابة التي تعرّض لها. كان يسأل عن الأخبار، ويستفسر عن جهوزية المسعفين واستعدادهم لعلاج المصابين الذين رآهم في كل زوايا المستشفى. الهروب من المستشفى في اليوم التالي، 17 مارس 2011، بدأت القوات والجيش السعودي بمحاصرة مستشفى السلمانية، وتمت السيطرة عليه كليه وفرْض الحصار عليه. وصدرت أوامر بخروج الموظفين ومغادرتهم المستشفى. يصف أحد الممرضين المُحاصرين الوضعَ بأنه "لا يُوصف بالكلمات. بعد يومين من الحصار نفذ الطعام. لم نكن نملك الملابس والمؤن الضرورية". يضيف "فوجئنا بما حدث. لم نكن نتوقّع أن تتم محاصرة المستشفى وتتعرّض الطواقم الطبية والمصابين لهذا الهجوم الشرس. دكتور مصري تعرّض لضرب عشوائي رأيته يجهش بالبكاء، وهو يهمس (أنا طبيب ويعلمون معي هذا؟!). داخل المستشفى كان الجنود المقنّعون في كلّ مكان، وكنا نرى أسلحة من كلّ الأنواع. أُغلقت كلّ بوابات المستشفى، ما عدا بوابة الطوارئ. في مواقف المستشفى، شاهدتُ ما لا يقلّ عن مئة سيارة تمّ الاعتداء عليها عمدا بالتكسير والتخريب. في داخل المستشفى كانت توجد ثلاث نقاط تفتيش، وفي خارجها أربع نقاط أخرى. كان التفتيش شخصياً ومُهينا بكلّ معنى الكلمة. كانوا يطلبون البطاقة الشخصية، ويتم تسجيل وقت الخروج، ويحمل كلّ جندي قائمة أسماء يتم مطابقتها مع طوابير الخارجين". بعد يومين من الهجوم، تمكّن المسعف أمين من الخروج بأعجوبة من المستشفى. كان الأطباء الذين تعاونوا مع الإدارة العسكرية يمتنعون عن إعطاء تراخيص المغادرة للجرحى والمصابين، وكان بعضهم يحضر في الاجتماعات الدائمة التي يعقدها العسكريون داخل المستشفى لاستلام الأوامر والتعليمات بهذ الخصوص. برغم حالته غير المستقرّة، إلا أن المسعف أمين قرّر مغادرة المستشفى بدون انتظار طلب الخروج الرسمي. تبيّن له أن الجيش الذي سيطر على المستشفى ينوي معاقبة كل الذين شاركوا في إسعاف المتظاهرين ومعالجتهم، ولم تكن الإدارة الجديدة تهتم بالوضع الصحي لأحد. بعد أيام من خروجه، حضرت قوّة أمنيّة إلى بيته في منطقة إسكان عالي، وعندما لم يجدوه هناك، طلبوا من والدته أن تُخبره بضرورة تسليم نفسه. مضت ساعات وقاموا بالاتصال به على هاتفه، وأمروه بتسليم نفسه حالا. كان أهله قلقين من الأمر، فهو مصاب، وحالته حرجة، وبحاجة إلى رعاية خاصة. لكنه توجّه إلى مبنى التحقيقات. ومنذ اعتقاله أواخر مارس الماضي وأخباره مقطوعة. لم تنفع الاتصالات اليومية التي تقوم بها زوجته وأخته للاستفسار عنه، ولكنهم لم يستطيعوا الحصول على معلومات مفيدة، أو الاتصال به. كانوا يخبرونهم أنّ "أبو رقبة" – وهي الصّفة التي يُعرَف بها أمين داخل الجهاز الأمني بسبب إصابته والطوق المحاط برقبته – بخير، ولا يعاني من مشاكل صحية. في الفترة الأخيرة، تأكّد أن المسعف أمين يوجد في سجن الحوض الجاف. المعتقلون الذين أُفرج عنهم من هناك يقولون بأنّه بخير، ولكن من غير تفاصيل. لم يظهر لأهله إلا حين أُحيل إلى المحاكمة ضمن مجموعة من الأطباء والممرضين والمسعفين. كان أمين ينام أكثر أوقاته داخل سيارة الاسعاف، وقد انقطع عن ممارسة لعبة "السنوكر"؛ هوايته المفضلة منذ اندلاع الأحداث، و"أعطى كلّ وقته وجهده وحياته للمهنة التي أحبّها". يقول لكل منْ حوله بأنه "غير نادم لحظة واحدة عن أداء واجبه الإنساني". زوجته فاطمة وولداه حسين ومحمّد ينتظراته بفارغ الشّوق والألم، ولكنهم فخورون به. |
شوكة الأطباء - الحلقة الثانية
مرآة البحرين (خاص): "هل انتهى صبح 17 فبراير؟ كم كان طويلاً وكارثياً، ظننا أنه لن ينتهي لفرط الأحداث المرعبة التي عشناها فيه" أحد أفراد الكادر الطبي.
الهجوم المباغت لقوات الأمن على الآمنين في دوار اللؤلؤة هزّ الجميع. لم يجد حتى الموالين للسلطة تبريراً، يجعل فعل السلطة منطقياً أو مقبولاً.
الرواية الرسمية التي عرضتها الداخلية في تلفزيون البحرين، بعد صمت رسمي تجاوز 12 ساعة، لم تنفع في اللعب على مشاعر الرأي العام العالمي. تعمد الحكومة في روايتها إظهار مقاطع دموية بشعة لمن قيل إنهم ضحايا من رجال الأمن الذين تمّ الاشتباك معهم من قبل المعتصمين. الرأي العام العالمي، وجدها محاولة هشة لتبرير الهجوم الذي هز مشاعر العالم.
"أدركنا منذ شاهدنا الرواية الرسمية التي عرضها تلفزيون البحرين، أن الساعات التي منعت فيها الكوادر الطبية من الوصول إلى الدوار بين السادسة والنصف والحادية عشرة والنصف صباحاً، هي الوقت التي نفذت فيه مشاهد هذه الرواية، بالتعاون بين الداخلية وتلفزيون البحرين، فعندما وصلنا الدوار بعد ساعات المنع، كان كل شيء قد جرى مسح أثره بنحو غريب، وكانوا يقولون لنا بسخرية: هل رأيتم؟ لا يوجد شيء كل ما سمعتموه مجرد تهويل".
أخرى من أفراد الطاقم الطبي الذين وصلوا الدوار بعد السماح للإسعافات بالتحرك تقول: "وصلنا في عدد من سيارات الإسعاف، كان رجال مكافحة الشغب يتعمدون الطرق على الإسعاف بقطع حديدية بينما السيارة تسير من أجل إخافتنا، يقومون بإيقافنا بين مسافة وأخرى، يفتحون سيارة الإسعاف ويفتشون داخلها، يسألونا باستهزاء: أين المصابون؟ وكانو يحققون في هوياتنا بطريقة يتعمدون فيها إذلالنا".
صدمة الجيش
الصدمة الأخرى التي لم يستوعبها الشارع في ذلك اليوم، كانت نزول قوات الجيش إلى الشارع. القيادة العامة لقوة دفاع البحرين أصدرت بياناً أسمته "رقم 1" أعلنت فيه انتشار قوات عسكرية في محافظة العاصمة "بدواعي اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن المواطنين والمقيمين وسلامتهم" وشددت "على اتخاذ كافة التدابير الصارمة والرادعة لبسط الأمن والنظام العام".
تستنكر إحدى الطبيبات: "للمرة الأولى نشاهد مدرعات الجيش تجوب شوارع البحرين، الهدف لم يكن محاربة عدو خارجي، بل معتصمين عزل نائمين في الدوار"مالم يفهمه أحد حينها، لماذا الجيش؟ ولماذ الهجوم الوحشي المباغت بعد أقل من 48 ساعة من إعلان الملك أسفه لسقوط قتلى،وإعلان يوم حداد رسمي، وتشكيل لجنة تحقيق؟
الصدمة فاقت استيعاب الجميع، كانوا في ذهول الحدث: سياسيون، حقوقيون، مهنيون، معلمون، إعلاميون، مثقفون، مؤسسات مجتمع مدني، لكن الطاقم الطبي في ذهول مضاعف، بالإضافة إلى صدمة الحدث، فهم في الحالات التي تفد إليهم، يعايشون صرخات الآلام التي تخرج من حناجر المصابين "وجد الأطباء أنفسهم أكثر من غيرهم في قلب الحدث، وجودهم في الحدث بهذه الكثافة كان أمراً طبيعياً لاتصاله بدورهم المهني، فكيف بالجانب الإنساني" يقول أحد المراقبين.
مستشفى السلمانية التي غادرها الحدث بعد ظهر 15 فبراير، عادت لتصبح في واجتهه من جديد في 17 فبراير، باحة الطوارئ تحولت إلى ساحة هيجان شعبي، إدارة المستشفى لم تكن قادرة على السيطرة على الجماهير الغاضبة المتجمهرة هناك.
اليوم الطويل انتهى بسقوط 4 ضحايا، سقط محمود أحمد مكي (23 عاماً)، وعلي منصور خضير (53 عاماً) بقذائف انشطارية االشوزنب. وسقط عيسى عبدالحسن (60 عاماً) بطلق رصاص انشطاري قريب ومباشر أدى إلى انفجار في جمجمة الرأس (وهو الحادث الشهير الذي رأته وروته الصحافية نزيهة سعيد). والشاب علي المؤمن (22 عاماً) سقط بقذيفة انشطارية في الفخد عند الحوض تسببت في تهتك الأوعية الدموية، لم تفلح محاولة الطبيب الاستشاري صادق عبدالله لإنقاذه، ولم يسعفه الـ 30 كيساً من الدم لاستعادة نضبه.
أيضاً، انتهى اليوم بعشرات الجرحى من الرجال والنساء والشباب والأطفال، اختلفت إصابتهم بين المتوسطة والخطيرة، منهم 3 حالات لمسعفين تم إخراجهم لاحقاً.
مسيرة الأطباء
| صباح الجمعة 18 فبراير، كان مجمع السلمانية الطبي شاهداً على تسليم جثثالضحايا الأربع. الأهالي المفجوعون يأتون لاستلام جثث أبنائهم ويغادرون نحو التشييع. عدد من الأطباء يجتمعون في بيت أحدهم، الهدف تنظيم اعتصامفي موقف سيارات السلمانية عصراً، وإصدار بيان باسم منتسبي الحقل الصحي. البيان تنديد لتعرض الكوادر الطبية للاعتداء من قبل رجال الأمن أثناء ممارسة دورهم الإنساني، والمطالبة بمحاسبة وإسقاط وزير الصحة فيصل الحمر والطاقم الإداري التابع له على خلفية هذا الموضوع. عصراً، ينفذ الاعتصام، العدد يتجاوز2000 مشارك من منتسبي وزارة الصحة، حسب قول أحد المشاركين. العدد الكبير من المشاركين والحماس الشديد الذي كان مسيطراً عليهم، يحول الاعتصام إلى مسيرة. ثلاث دورات في موقف السيارات الخاص بطوارئ السلمانية وينتهي الاعتصام ويقرأ البيان الختامي. لكن الأمر لا ينتهي هنا أيضاً. الدكتور علي العكري يطلب من أفراد الطاقم الطبي العودة إلى مواقعهم دون أن يُعطي تفاصيل أخرى. تتذكر إحدى الطبيبات "بينما كنا في دورتنا الأخيرة في المسيرة الاحتجاجية في باحة طوارئ مجمع السلمانية، سمعنا صوت طلقات نارية تأتي من بعيد". ما الذي يحدث؟ صدور ومدرعات في هذه الأثناء التي كانت مسيرة الأطباء توشك تنهي بيانها، على الجنبة الأخرى القريبة من المستشفى، مسرح حدث جديد، كانت منطقة الديه القريبة من (دوار اللؤلؤة)، وغير البعيدة عن مستشفى السلمانية، تشهد ختام مجلس عزاء علي مشيمع (21 عاماً)، الضحية الأولى لأحداث 14فبراير. المعزون خرجوا في مسيرة عزاء ضمت الآلاف، اتجهت نحو الدوار المحاصر بقوات الأمن والجيش. عدد من الشباب يحملون أعلام البحرين، يتحركون قريباً من المدرعات العسكرية. يقفون على مسافة 100 متر منها، يلوحون بأيدً عزلاء إلا من إعلام ترفرف على صدورهم العارية. لم تمض غير دقائق، حتى كان المشهد الذي رآه العالم مصوراً بالفيديو، سيل لا يتوقف من الرصاص الحي المباشر، والغازات المسيلة للدموع، ينكشف الدخان عن عدد من الشباب مضرجين على الأرض في بركة من دمائهم. الطلقات سمعها الكادر الطبي الذي كان معتصماً في باحة مجمع السلمانية، عدد من الكادر الطبي خاف وغادر، الباقون دخلوا فوراً استعداداً لتقديم المساعدة للإصابات التي بدأ الإسعاف بنقلها، بدأ استنفار طبي آخر. الشباب المشاركون في مسيرة العزاء، أخذوا في التدافع إلى مستشفى السلمانية يحملون المصابين في سياراتهم، أحد الشهود يقول: "كنت هناك عندما شاهدت عشرات الشباب يتوافدون إلى المستشفى في حالة من الرعب والذهول، وينظمون المرور لتسهيل مرور سيارات الإسعاف عند مدخل السلمانية. استفهمت، فأخبروني أن رصاصاً حياً أطلق على المعزين الخارجين من عزاء الشهيد مشيمع نحو دوار اللؤلؤة، وأن هناك عددا كبيرا من الإصابات ملقاة على الأرض في الطريق". شاهدة أخرى تقول "كان عدد من الشباب يخرجون من بوابة الطوارئ يحملون أسرة لنقل المصابين من السيارات الخاصة التي أحضرتهم". رصاصة عبدالرضا الغريب، أنه في الوقت الذي كانت برك الدم تسيل في الشارع المؤدي للدوار، كان ولي العهد يفاجئ الجميع بزيارة غير متوقعة لتلفزيون البحرين، وجّه خطاباً وَجِلاً ومرتجلاً للجميع: "أقدم التعازي لكل شعب البحرين على هذه الأيام الأليمة التي نعيشها، وأريد أن أوجه رسالة للجميع للتهدئة، نحتاج فترة أن نقيم ما صار ونلم الشمل ونستعيد إنسانيتنا وحضارتنا ومستقبلنا. نحن اليوم على مفترق طريق، أبناء يخرجون وهم يعتقدون أن ليس لهم مستقبل في البلد، وآخرون يخرجون من محبة ومن حرص على مكتسبات الوطن، لكن هذا الوطن للجميع ليس لفئة على فئة، لا هو للسنة ولا هو للشيعة هو للبحرين وللبحرينيين، وفي هذه اللحظات يجب من كل إنسان مخلص أن يقول كفاية ما خسرناه في هذه الأيام، صعب استعادته، لكن أنا مقتنع بعمل المخلصين". في السلمانية، لم يكن ثمة مكان للهدوء أو التهدئة، لم يكن غير فوضى عارمة وهيجان ناقم. مشهد الرصاص والدم يأتي محمولاً على أسرة تشي بالموت وآلاف تحتشد في حالة هستيرية تصرخ بسقوط النظام. المذياع الداخلي لمستشفى السلمانية يعلن استدعاء جميع الاطباء إلى غرف العمليات والطواريء "كان الوضع أشد كارثية هذه المرة، نحن أمام رصاص حي، لم نصدق أن الأمر يمكن أن يصل إلى هذا الحد، كانت تجربة مرعبة لم نتعامل معها من قبل، ولا ندري ما إذا كنا قادرين على التعامل مع هذه الحالات أم لا" يقول أحد أفراد الطاقم الطبي.
الحالة الأشد صعوبة هي حالة عبدالرضا بوحميد (38 عاماً)، أصيب رصاصة حية في الجمجمة، الاستشاري نبيل حميد يحاول إنقاذه، عملية جراحية تستمر ثلاث ساعات، دون أن تتمكن من إخراج الرصاصة من رأس عبد الرضا. الاستشارية نهاد الشيراوي تعمل على متابعة حالته. يبقى فيما يشبه الموت السريري ليومين، قبل أن يفارق الحياة في 21 فبراير، وقبل أن تنهار الشيراوي باكية أمام عدسات التصوير، ولتدفع بعدها، في المحاكم العسكرية، ثمن هذا البكاء من أجل حياة إنسان. عدد كبير آخر من الإصابات بلغت 96 إصابة، بعضها إصابات بالرصاص الحي. 6 منها أدخلت غرفة العمليات حسب ما أعلنت مصادر طبية حينها. "تفاجئنا من الحالات التي كانت تصلنا. رصاص في أماكن قاتلة في الصدر والرأس. ضربات مباشرة باستخدام الرصاص المطاطي والانشطاري، تتعمد إصابة مناطق حيوية مثل العين والصدر، ستون حالة منذ بداية الأحداث حتى الآن، إصابات فقد فيها البعض عينيه أو عين واحدة" تقول أخرى. الأطباء انتشروا في أرجاء المستشفى، هناك من يعالج إصابات مسيلات الدموع، وآخر في غرفة الإنعاش، وثالث في العمليات. الاستشاري باسم ضيف يعمل على 3 حالات، اثنتين إصابات في عظام الفخذ، والثالثة إصابة بليغة في الكاحل. يشاهده الطاقم الطبي متأثرا كثيراً، يبكى، يسأله طاقم العمليات: لأول مرة نراك تبكي، يجيب: لم يقدر لي من قبل أن أرى هذا القدر من العنف في البحرين. الاستشارية بدرية توراني تعالج حالة رصاصة موجودة في أعلى الفخد قريباً من الحوض، يساعدها الطبيب باسم ميرزا، تلتقط أشعة للرصاصة. كان وفد من الإعلاميين وصلوا المستشفى، طلبوا معاينة الحالات في غرفة الإنعاش. باسم ضيف يريهم الأشعة التي تثبت وجود الرصاصة التي تم إخراجها. لكنه يوضح " لست أنا من عملت على هذه الحالة". الإعلاميون يطلبون الرصاصة من أجل تصويرها. يتم إخبارهم أنها وضعت في كيس وتم التحفظ عليها، لكن أين ذهبت؟ ليس هناك تأكيد بخصوص الرصاصة، البعض يقول "أعطوها منظمة حقوق الإنسان بعد وضعها في كيس". الوزير يكذب في باحة الطوارئ، الآلاف يتجمهرون حتى وقت متأخر من الليل، يرددون هتافات الغضب. شبكات التواصل الاجتماعي تنقل مقاطع فيديو تظهر آلاف المتجمهرين الغاضبين يطالبون بإسقاط النظام. كذلك تفعل وسائل الإعلام العالمية التي كانت حاضرة وشاهدة على الحدث، وقد بدأت تبث المشاهد عبر قنواتها. وزارة الصحة متمثلة في وزيرها فيصل الحمر وإدارة السلمانية يقفون مكتوفي الأيدي، كل شيء خارج عن السيطرة. لم ينقل الوزير فيصل الحمر هذا الوضع، عبر لقائه في تلفزيون البحرين في المساء ذاته، بل قال أن الوضع في مجمع السلمانية الطبي مستقر، وأن عدد من يحتاجون إلى الرعاية الصحية أصبح أقل، وأنه بعد التدقيق في نوعية وأعداد الإصابات الموجودة اتضح أن هناك سبعة مصابين بإصابات طفيفة، يجري التعامل معها الآن بطريقة طبية صحيحة لرعايتهم، وسيغادرون المستشفى في وقت قريب، وأن هناك بعض المواطنين موجودون في الساحة الخارجية لمجمع السلمانية الطبي، وهم أهالي بعض المصابين المتواجدين داخل المستشفى، مؤكداً أن الأمن مستتب وأن الوضع هادئ. هذا التصريح أغضب الأطباء، ووجدوه غير كفء ليحمل أمانة المهنة وشرفها الإنساني. قرروا أن يصدوا بياناً عن جمعية الأطباء البحرينية وجمعية أطباء الفم والأسنان البحرينية، يدين استخدام العنف المفرط ضد المواطنين المتظاهرين سلمياً، ويستنكر "تصريح وزير الصحة عبر وسائل الإعلام بالأمس في حصر عدد حالات الإصابة بسبع حالات فقط ووصفه بأنها حالات طفيفة وهذا مغاير للواقع حيث إن عدد الجرحى ليوم أمس فقط فاق المائة بينهم سبع حالات بإصابات بليغة منهم حالة إصابة خطرة بالرأس والدماغ وحالة إصابة خطرة بالصدر والحالات ناتجة عن رصاص حي و شوزن وضرب قاسي بالهراوات وليس كما وصف الوزير. ونأمل أن تكون تصريحات وزارة الصحة دقيقة دون لبس"، طالبوا باستقالة وزير الصحة. ظهر السبت 19 فبراير. يأمر ولي العهد سلمان بن حمد ال خليفة بسحب جميع القوات العسكرية من شوارع البحرين وذلك بأثر فوري. تنسحب القوات المحاصرة للدوار. تعود الجماهير لتجدد اعتصامها هناك مرة أخرى، وهنا تبدأ مرحلة ثالثة من المراحل التي عايشها الأطباء. نكملها في الحلقة التالية. | ||||
............................................... جناح 63 .. غموض العسكر والموت جناح63: الداخل اليه مفقود، والخارج منه مولود! مرآة البحرين (خاص): بعد ١٦ مارس تحول جناح ٦٣ بالطابق السادس بمستشفى السلمانية إلى مكان يلفه الغموض والرعب. قيل إن عن عدداً من الجرحى والموتى سريرياً احتجزوا فيه منذ أحداث فبراير الماضي، وذلك بعد سيطرة قوى الأمن على المستشفى، وأنه قد تم نقلهم إليه من المستشفيات والمراكز الصحية المختلفة. وقيل أن الجرحى المحتجزين فيه يتعرضون للتعذيب والتنكيل، وفي ساعات الليل خصوصاً. صار جناح ٦٣ مكاناً ممنوعاً من زيارات الأهالي، ومحلاً لزيارات العساكر. لا أحد يعرف ما يدور داخل هذا الجناح وكم عدد المرضى المحتجزين فيه وما حالاتهم ولا شيئ عن سجلاتهم التي اختفت. خاصة مع وجود عدد من حالات الإختفاء مجهولة المصير منذ بداية الأحداث. الداخل في هذا الجناح مفقود ومغيب عن الخارج. والخارج منه إما للمعتقل وإما للقبر. • الحاج أبو دريس.. الحاج الستيني سلمان أبو إدريس، أحد الذين أُدخلوا جناح ٦٣ بمستشفى السلمانية، لتنقطع بعدها أخباره عن أهله، ولا يغادره إلا إلى القبر. ما حكايته؟ تفاصيل غامضة ترتبط بوفاة المواطن سلمان أبو إدريس فجر يوم الجمعة الموافق 3 يونيو الجاري. تاركاً زوجته الممرضة وبنات ثلاث وولدين. وزارة الداخلية ومصدر مسئول بوزارة الصحة، أعلنوا بأن وفاة أبوإدريس فجر كانت طبيعية. وأشاروا إلى أنه قد قام بزيارة لمركز النعيم الصحي بتاريخ 16 مارس، حيث أتضح أنه يعاني من ألم في البطن وارتفاع في السكر مما تطلب تحويله إلى مستشفى السلمانية بواسطة سيارةإسعاف، وتم إدخاله إلى المستشفى منذ ذلك الوقت وحتى تاريخ الوفاة بسكتة قلبية. هذا ما أوردته الرواية الرسمية، لكن رواية أخرى تروى عن طريق مقربين، بأنه كان في سيارته حين تم توقيفه من قبل المخابرات والأمن فجر يوم١٦ مارس ٢٠١١ في منطقة سكنه بالقفول، ثم بدؤوا يستجوبونه، قبل أن يتم إنزاله من السيارة وأخذ هاتفه ومحفظته وسيارته. قاموا بعدها بضربه بوحشية بأرجلهم واسلحتهم، ثم حمله في جيب شرطة والقائه في منطقة دوار اللولؤة.
بعد شهرين تمكن أبودريس من التنفس طبيعيا. نقل إلى جناح ٦٣. ومنع من الالتقاء بأهله الذين يأتون للسؤال عنه وكان يجيبهم البعض باستهزاء أنه سيخرج منه للمعتقل. لا أحد يعرف شيئ عما تعرض له أبودريس في هذا المكان. لكن بعد وفاته وأثناء تغسيل جثمانه للدفن، وجدت آثار ضربات في جسده، واحمرار شديد حول رقبته مايشي بتعرضه للخنق. إحدى قريبات الحاج تقول: "لم نكن نعلم بوفاته، لم يتم إخبارنا من قِبل المستشفى، الخبر سمعناه عبر الانترنت، سربه أحدهم، بعدها مُنعنا من التجمع هناك للتأكد من صحة الخبر، ولم يسمح سوى لواحد فقط بالدخول"، وتضيف "تم تهديد أقاربه من أية هتافات تطلق ومنعوا من الخروج من باب المأتم في يوم كسر الفاتحة". يذكر أن أبو إدريس تعرض للاعتداء اثناء مرور سيارته بمنطقة القفول من قبل قوات النظام ومن ثم رموه في الدوار إلى أن نقل إلى مستشفى السلمانية، ومصادر أخرى تفيد بأنه تعرض لضرب وحشي أصيب إثره بكسر في الجمجمة نتيجة طلق مطاطي من ثم نقل إلى العناية الفائقة بمستشفى السلمانية ولم تجد محاولات ذويه للاستدلال عن مكان تواجده والإطمئنان عليه لغاية استلامهم جثته؛ بينما تؤكد بأن الحاج سلمان كان من ضمن ثمانية أشخاص أصيبوا بإصابات حرجة جراء اعتداء قوات درع الجزيرة وقد نقلوا إلى جهة مجهولة إلى أن ورد نبأ استشهاد الحاج بو إدريس في الوقت الذي يُجهل فيه مصير بقية المختطفين. • الشاب حميد.. الشاب حميد ربيع.. هل تم إخفاؤه في جناح ٦٣ أيضاً؟ حميدربيع شاب عشريني كان في تاريخ 15 مارس يحاول ان ينقذ احد المصابين من كبارالسن، سقط في هجوم قوات الامن (بثياب مدنية) على منطقة النويدرات. لكن لم يرق ذلك لرجل الأمن فأطلق عدة زخات من رصاص الشوزن على حميد. اصيب بعشرات الشظايا. توزعت على مناطق في رقبته الى اسفل ظهره. نقل الى مستشفى كانو الصحي لقربه من النويدرات، إلا أن المستشفى لم يكن مجهزاً لاستقبال هذا الكم الكبير من الجرحى، فتم تحويله بالاسعاف الى مستشفى السلمانية. وعلى الرغم من الألم الكبير الذي انتابه في الاصابة، إلا انه كان واعياً ويتحدث ولم يغمى عليه، كان هذا حد علم اهله بتاريخ يوم الاصابة عندما زاروه في المستشفى.
في بداية يونيو تلقى أهله اتصالا من بعض الحقوقيين أنه موجود في مستشفى السلمانية، ذهب الاب الهرم مسرعا لرؤية ابنه. استوقفه ضابط شرطة وسأله: "كيف علمت انه هنا؟". صمت الأب. أجابت ابنته أن بعض الحقوقيين أخبروهم. غضب الضابط وأراد أن يضرب الأب وهو يصرخ: "انا اكلم رجال انت تكلم". ساله ماذا به فقال له أصيب بالشوزن. رد الضابط: "ارحل والله سيشفيه اذا كان مسلماً". رد الأب: "هل اخرجتمونا من ملة الاسلام ايضاً؟" أجاب الضابط: " كل من يخرج في المظاهرات يهود وغير مسلمين". ثم أمره بالمغادرة قبل أن يطلق عليه الكلاب البوليسية. لا يزال حميد مجهول المصير والمكان، معلومات مسربة بأنه في غيبوبة الآن، وأنه بعد اختطافه تعرض للضرب على رأسه، وتعليقه حتى تكتل الدم في راسه، وأن عمليات أجريت له في الرأس إثرها، وهو الآن معلق بين الحياة والموت والحياة. الحلقة الثالثة - شوكة الأطباء
عاجل الحد: إلى مريضه مضى المسعف النبيل
كوزو أوكاموتو في تجربة السجن البحريني مرآة البحرين (خاص): بعد أن خرج الثائر الياباني في الجيش الأحمر (كوزو أوكاموتو) من المعتقل الإسرائيلي في مايو 1985، والذي قضى فيه نحو 13 عاما. ظهرت عليه عوارض سلبية من جراء التعذيب النفسي والجسدي. من أهم تلك العوارض التي رافقته خلال الأشهر الأولى بعد الإفراج: كيف يتصرف كالإنسان، كيف يأكل بيديه؟ كيف يمشي على رجليه؟ والأعظم، كيف يقتنع أنه ما يزال إنسانا؟ حرفية عالية يستخدمها العسكر الإسرائيلي في التعذيب، واحدة من الأساليب النفسية التي استخدمت لتعذيب الثائر (كوزو أوكاموتو)، هي معاملته كالحيوانات الأليفة التي تربى في المنزل! الانهيار النفسي مصاحباً للانهيار الجسدي، هو ما تعمد له قوات الأمن في انتهاكها للمعتقلين داخل السجون. فإذا خففت من الأول بسبب وضوحه وسهولة كشفه على أجساد ضحاياها أمام الرأي العام العالمي، فإنها تلجأ إلى الأخير، أي النفسي، متمثلاً في الإذلال والإهانات والترويع، لأنه لا يمكن كشفه بسهولة. أحد المفرج عنهم من أفراد الطاقم الطبي يروي عما شهده من تعذيب نفسي لمعتقلين:"أحد الضباط في مركز شرطة الحوض الجاف، تعنت في تولي ملف أحد الأطباء، وأحد المدرسين، وأخذ يعاملهم كالكلاب (أعزهم الله). يوضح، أن الضابط يتعمد عند استقبال ضيوفه من الضباط الآخرين، خلال وجود ضحايا في الغرفة، يتعمد أن يجبرهم على الجلوس جلسة الكلب، ثم يقوم بالمسح بيده على رؤوسهم، ويجبرهم على الأكل من الطبق عن طريق الفمهم مباشرة، فضلا عن ربطهم بسلسلة حديدية كما يربط الكلب. ويشير إلى أن "الضابط عمد في تلك الممارسة بعد أن أجبرهم على التوقيع على ورقة بيضاء بالإكراه والتعذيب الوحشي، وإذلالهم لكي ينصاعوا إلى أوامره، أن يتصرفوا كالكلاب". في سياق مشابه يقول مصدر بالجهاز الأمني " أن مجموعة من الضباط بالتحقيقات الجنائية بمنطقة العدلية، كلفوا مجموعة من الشرطة بضرب احد كبار الأطباء وهو من الطائفة السنية بشكل مهين، وذلك بغرض الإهانة وليس التعذيب الجسدي" وأوضح "الشرطة وأثناء إهانة الطبيب كانوا يرددون عليه كلمات بذيئة، ويقولون له "فشلتنا سني وتروح الدوار"! آخر يروي حكايته مع جهاز أمن الدولة، يقول" فوجئت بخمسة شبان يحوطوني في المكتب بالعمل، وكان السؤال الموجه لي واحد فقط، "أنت فلان؟"، الإجابة " نعم" ، وما أن أنهيت كلمتي حتى انهالوا علي بالضرب أمام الموظفين وأخرجوني إلى الشارع، وهم يواصلون الضرب والإهانات من كل صوب وناحية". ويضيف "حتى في مركز الشرطة القيد لم يفك من معصمي، وبين الفينة والأخرى يدخل شخص أسمر اللون ضخم الجثة ينهال علينا بالضرب بقطعة بلاستيكية (هوز). معي آخرون لا أعرفهم أيضا، لا يتوقف حتى يكل متنه من الضرب، ويستريح ومن ثم يعاود الضرب مجددا". إحدى السجينات بتهمة جنائية في مركز شركة المحافظة الوسطى بمدينة عيسى، نقلت معانات إحدى الممرضات في التوقيف، وما تعرضت له من أساليب التعذيب. تقول " التقينا بالممرضة المعذبة يوم 3 ابريل الماضي قبل انتهاء عقوبتي بخمسة أيام، أدخلوها التوقيف بعد أن عذبوها بـ(الهوز)، وقام رجال الأمن بقص شعرها، بل أكثر من هذا، قاموا بتلمس أماكن عفتها. كل هذا حدث أثنا التحقيق معها وهي معصوبة العينين، مكبلة الأيدي". تضيف: " لقد انهارت في الأيام الأوائل، بسبب إيقافها فترات طويلة دون تحرك، وهددوها عدة مرات بالاغتصاب، ألا أنهم لم يقدموا على ذلك، حتى خروجي من السجن". وحسب الشاهدة فإن الشرطة نقلتها بعد ذلك إلى سجن انفرادي لا يعلم عنه أحد، بتاريخ 7 ابريل. في المحصلة، هل يحق للمراقبين أن يقارنوا بين أجهزة الأمن الإسرائيلية في الثمانينات، عندما عذبوا الثائر الياباني (كوزو أوكاموتو)، وأجهزة الأمن البحرينية، وهي تعذب الطاقم الطبي 2011؟ مراسل تلفزيون ITN البريطاني يحكي قصته في السلمانية زوجة الشهيد عبدالرضا بوحميد في لقاء الأحبة مرآة البحرين (خاص): كثر الحديث عن المفقودين في الساعات الأولى للسابع عشر من فبراير/شباط، فما كان منا إلا أن حاولنا الاتصال بعائلات أحد المفقودين بغرض تسليط الضوء على هذا الجانب من الثورة البحرينية التي انطلقت في الرابع عشر من فبراير، وحدث أن رتبنا الموعد ظهر الثامن عشر من فبراير في منطقة جدحفص مع شقيق لأحد المفقودين. أنهينا المهمة وتركنا المنطقة في الوقت الذي خرجت فيه مسيرة باتجاه الشرق، سألنا فأخبرونا أنهم متوجهين إلى مستشفى السلمانية، لكن قيادة المسيرة يبدو أنها غيرت رأيها في اللحظات الأخيرة. كنا، أنا البريطاني الجنسية مراسل قناة ITN البريطانية، والمصور من نفس الجنسية، الذي أعمل معه، والمنتجة البحرينية نتبع الجمع بالسيارة، عندما رأينا المسيرة تنحرف عن مسارها، بدلا من مستشفى السلمانية ذهبت باتجاه دوار اللؤلؤة، فنزلنا من السيارة أنا والمصور وتوجهنا على الفور سيرا على الأقدام مع المحتجين الذين فتحوا صدورهم للنار. حدسي الصحفي أخبرني أنهم سيفتحون النار على المتظاهرين، الذين رفعوا أيديهم منادين بالسلمية وبالعودة للدوار، ونحن نجري لنتمكن من نقل الحدث، كان إطلاق النار قد بدأ، وبحكم أنني وزميلي متمرسان في تغطية النزاعات والحروب، أدركنا من خلال أصوت الطلق أن ما يحدث في تلك اللحظات هو إطلاق للرصاص الحي، تبعه مسيلات للدموع. صورنا الجرحى الذين سقطوا على الأرض، والمحتجين الذين نقلوهم إلى سيارات الأسعاف، وتوجهنا بعدها إلى مجمع السلمانية الطبي لاستقاء المعلومة الكاملة، والتعرف على نوع الإصابات وإذا ما كان هناك قتلى، فقد رأينا الكثير من الدماء على الأرض، خصوصا ذلك الشاب الذي كان في مقدمة الفوج، الذي أصابه الطلق الناري في رأسه. ونحن في طريقنا إلى السيارة لنتجه لمستشفى السلمانية كان الكثير من الشباب يسير نحو الدوار، فسألناهم إلى أين أنتم ذاهبون؟ قالوا: للدوار، فأخبرناهم أن الجيش لا يزال قابع هناك وأنه حدث إطلاق للرصاص الحي، لم يبالوا لما نقول وقالوا، من استشهدوا ليسوا أحسن منا، وأحدهم قال: وماذا لدينا لنعيش من أجله، وأكملوا طريقهم بخطى خفيفة نحو الدوار، ولا نعلم ما الذي حدث لهم بعد ذلك. في السلمانية، كانت أفواج المحتجين تملأ الساحات، يصرخون وينادون بالقصاص، وهم مذهولون بأن أول معركة يخوضها الجيش البحريني منذ تأسيسه كانت ضد شبان بحرينيين عزل، كل ما طالبوا به هو المزيد من الديمقراطية وحياة أفضل للجميع. توجهنا نحو وحدة العناية المركزة بعد حوالي ساعتين من الحادثة، وكانت في أشد حالات الإنشغال والقلق، الأطباء والممرضات متجهمين ويحملون علامات الأسى في قلوبهم، بعضهم راح ينادي، أي جيش هذا الذي يقتل شعبه. أحد الأطباء أجاب على أسألتنا، 4 حالتهم خطيرة وقد تم تحويلهم إلى العمليات، أحدهم مصاب بطلق ناري في رأسه، وآخر في صدره، وأكد لنا أن لا قتلى حتى الآن. للتأكد من المعلومة، توجهنا نحو المشرحة قبل مغادرة المجمع، وأكد لنا من كان هناك ألا قتلى اليوم، فقط أربعة قتلى هم الذين سقطوا بالأمس. توجهنا للفندق لنتمكن من عمل مونتاج للمادة التي جمعناها، لإرسالها للقناة ليتمكنوا من نشرها في وقت متأخر من ليل اليوم وصباح الغد، وهذا ما تمّ. في صباح اليوم التالي كان مطلوب منا متابعة القصة، فتوجهنا للمجمع مرة أخرى، وبعد السؤال عن الجرحى، تم إخبارنا أنهم يرقدون في قسم العناية المركزة في الطابق الثاني، وقادنا أحد الأطباء إلى هناك، وفي الطريق، تحدث الطبيب عن ما رآه في الدوار صباح الخميس (17 فبراير) قال إن الشرطة والجيش سمحوا لنا بالدخول إلى المنطقة في الساعات الأولى للهجوم، ولكنهم منذ الساعة السادسة أو قبل ذلك منعوا الإسعاف من المرور، وكنا نريد أن نتأكد من عدم وجود جرحى أو قتلى آخرين، كما تعرض أحد طاقم الاسعاف للضرب وإصابة في رأسه وساعده. كما أكد هذا الدكتور على أنه تم السماح لسيارات الإسعاف بالمرور بعد الثامنة صباحا، بعد وقوع المزيد من المصابين بالقرب من منطقة القفول بسبب تواجد للمحتجين في هذه المنطقة. وصنا للطابق الثاني، حيث كان طبيبان، أحدهما استشاري، وكان أهالي الجرحى يقفون في الخارج أحدهما متأثر جدا، والدموع تفيض من عينيه. بدأنا الحديث مع الأطباء، فأخبرونا أنهم تلقوا هذه الحالات مساء الأمس (الجمعة)، وأنهم أدخلوا للعمليات لعمل اللازم، ولكن أحدهم متوفى دماغيا، وهو المصاب بطلق ناري في رأسه، عبد الرضا بو حميد، شرحوا لنا مدى فضاعة ما رأوه من إصابات بالرصاص في الرأس والرجلين، فوجهت لهم سؤالا عن نوعية الرصاص أو حجمه، فكان الجواب: "لا نعلم، فنحن لم نخض حربا من قبل، ولم نحمل السلاح، ولم تواجهنا أي حالات كهذه في السابق"، كان الحديث مع الأطباء أما شاشات التلفزيون، حيث الإعلام الرسمي، فقد كانت تنفي استخدام الرصاص. ثم أطلعونا على بعض الصور، والأشعة للمصابين، فتعرفنا أنا وزميلي على حجم الرصاص المستخدم. تحدثنا مع شقيق عبد الرضا الذي كان منهارا، وتحدث إلى الكاميرا بانجليزيته المكسرة، قائلا: "هل تعرف الملك حمد؟ إذا مات أخي فهو المسئول". وراح يجهش بالبكاء، وكذلك كل من حوله، والأطباء. سمح لنا الأطباء بالدخول إلى وحدة العانية القصوى لتصوير الجرحى، فكان منظرهم وهم مدثرون بأعلام البحرين يفطر القلب، كما سنحت لنا الفرصة بأن نجري لقاء مع الدكتورة نهاد الشيراوي، استشارية العناية القصوى، التي حاولت إنقاذ عبد الرضا منذ لحظة وصوله، كانت ملامح الحزن والقلق بادية على وجهها، رغم أنها بدت قوية وتؤدي واجبها على أكمل وجه، تحلت بالأمل رغم أنها تعلم أن أيام وساعات عبد الرضا محدودة. غادرنا المكان والجو العام هو الحزن والأسى، وفي اليوم التالي تلقينا خبر وفاة عبد الرضا. شوكة الأطباء (الحلقة الرابعة): أطباء إرهابيون، بلطجية مسالمون
شوكة الأطباء (الحلقة السادسة): يوم سترة الطويل
|
0 ملف ساحة الشرفاء : قميص أبو الفتح وصليل سيوف الكراهية
التسميات:
حقائق مغيبة
مـلــف سـاحـة الـشـرفـاء
مرآة البحرين تفتح ملف ساحة الشرفاء: سيوف الكراهية | ||||||
7مارس/ آذار 2011، تذكروا هذا التاريخ جيداً، ضموه لقائمة التواريخ المفصلية التي لا تُنسى. هذا التاريخ لا يقل أهمية عن تاريخ 14 فبراير، ولايقل خطورة عن تاريخ 17 فبراير أو 16 مارس. لقد دشن عنواناً جديداً من عناوين المرحلة، وأسس تشكيلاً جديداً، وخطاباً جديداً، وحضوراً جديداً، دشّن ساحة غريبة على المجتمع البحريني المسالم بطبعه، أسمت نفسها بـ(ساحة الشرفاء). ما هي ساحة الشرفاء؟ ومتى ظهرت؟ وكيف تطوّر وجودها؟ ومن يديرها؟ وما هدفها؟ وما وظيفتها؟ وما خطابها؟ ومن خطبائها؟ وما الذي استحدثته في الساحة البحرينية؟ وعلى ماذا أسست؟ وما الذي أنجزته في شارعها؟ وهل هي مظهر آخر من مظاهر تجمع الفاتح، وما علاقتها به؟ تساؤلات حملتها معها مرآة البحرين، وهي تفتح ملف بحثها حول هذا المكان وهذا التجمع، وراحت تبحث عنها في سيناريو الأحداث الذي بدأ بها وانتهت إليه. عبر حلقات، ستحرص مرآة البحرين أن تضعكم في تسلسلها عبر رسم سيناريوها، موثقاً برصد الأحداث والوقائع والتداعيات التي بدأت منذ تاريخ 7 مارس 2011.
|
ساحة الشرفاء: قميص أبو الفتح - الحلقة الأولى
| 7 مارس/ آذار 2011، تذكروا هذا التاريخ جيداً، ضموه لقائمة التواريخ المفصلية التي لا تُنسى. هذا التاريخ لا يقل أهمية عن تاريخ 14 فبراير، ولا يقل خطورة عن تاريخ 17 فبراير أو 16 مارس. لقد دشن عنواناً جديداً من عناوين المرحلة، وأسس تشكيلاً جديداً، وخطاباً جديداً، وحضوراً جديداً، دشّن ساحة غريبة على المجتمع البحريني المسالم بطبعه، أسمت نفسها بـ(ساحة الشرفاء). ما هي ساحة الشرفاء؟ ومتى ظهرت؟ وكيف تطوّر وجودها؟ ومن يديرها؟ وما هدفها؟ وما وظيفتها؟ وما خطابها؟ ومن خطبائها؟ وما الذي استحدثته في الساحة البحرينية؟ وعلى ماذا أسست؟ وما الذي أنجزته في شارعها؟ وهل هي مظهر آخر من مظاهر تجمع الفاتح، وما علاقتها به؟ تساؤلات حملتها معها مرآة البحرين، وهي تفتح ملف بحثها حول هذا المكان وهذا التجمع، وراحت تبحث عنها في سيناريو الأحداث الذي بدأ بها وانتهت إليه. عبر حلقات، ستحرص مرآة البحرين أن تضعكم في تسلسلها عبر رسم سيناريوها، موثقاً برصد الأحداث والوقائع والتداعيات التي بدأت منذ تاريخ 7 مارس 2011. **** تنويه قبل البدء في القراءة.. في هذا الملف ستكون مرآة البحرين مضطرة إلى الإشارة إلى الهوية المذهبية للبعض، وهو ما لا يتلائم مع خطها النابذ للتعريفات غير الوطنية، لكنها هنا، ستخالف ذلك إلى حد ما، وذلك بسبب أصل تكوين ساحة الشرفاء وخطابها، وبسبب أهمية ذلك في قراءة هذا الملف وفهم خلفياته. **** البداية.. الساعة الخامسة والربع عصراً، يتفاجأ المحتجون بسيارة سوداء اللون من نوع تويوتا برادو، تترك الطريق السالكة خلف المتجمهرين، وتشق طريقها وسطهم (1)، تقودها سيدة في العشرينيات من عمرها، يقول أحد الشهود: " فوجئنا بدخولها بيننا، كان واضحاً أنها تعمدت ذلك، ثم هاجمتنا بألفاظ نابية، البعض أدرك من فوره أن ذلك عمل متعمد بقصد الاستفزاز فتنحى من فوره، البعض رد عليها، صارت مشادة كلامية بينها وبين أحد المعتصمين فبصقت عليه، ما أثار حفيظة المحتجين. من فورهم قام المنظمون وبعض الشباب بضبط المتجمهرين، ورددوا: سلمية سلمية، فردد الجميع ذلك. لكن المدعوة أمل أبو الفتح، الموالية للنظام، قامت بالتلويح بيدها على المعتصمين قائلة: مالت عليكم". أكثر من مقطع فيديو تم تنزيله على اليوتيوب، يظهر كيف عمل المتجمهرون على احتواء الاستفزاز وعدم الانجرار له، في واحد من هذه المقاطع، يظهر أحدهم وهو يقوم بإبعاد الجميع عن طريق السيارة صارخاً: فتنة طائفية فتنة طائفية (2). سرعان ما عمل المحتجون على تشكيل سلسلة بشرية من الجانبين لمنع أن يتعرض لها أحد، ولتسهيل مرور السيارة، بدورهما قام اثنان من المنظمين على التحرك أمام السيارة لإخلاء الطريق وتسهيل عبورها، لكنها داست الفرامل بقوة وصدمت المنظمين اللذين كانا يؤمنان لها الطريق، وأوقعتهما أرضاً، ولاذت بالفرار (3). الإصابتان كانتا متوسطتين، تم أخدهما من فورهما إلى المستشفى. البعض حاول إظهار الحادث على أن الجانية "تعرضت لمضايقات وكلام بذيء بسبب وجود صورة لأحد القادة السياسيين في البلاد على إحدى نوافذ السيارة" كما صرح بذلك جارها لصحيفة الوسط، لكن جميع اللقطات التي تم تصويرها من جميع الجهات تظهر أنه لم تكن هناك أية صورة على سيارتها أصلاً، ما يجعل من زعم التعرض لها هي تحديداً من بين كافة السيارات التي كانت تعبر ذهاباً وإياباً غير مقنع. وفيما قال البعض إنها كانت خائفة ومرتبكة من التجمهر الكبير الذي كان يحيط بها من الجانبين، ويبرر الدهس الذي قامت به أنه بسبب ارتباكها، فإن صوراً ملتقطة لها تظهر الفتاة بعكس ما وصفت به من الارتباك، فهي كانت تشاكس المتجمهرين، وتلوّح عليهم بيدها بحركة تقصد الإهانة وهي تقول: مالت عليكم، ثم تمضي بوجه يحمل الكثير من الاحتقار والإزدراء، ولو كانت تشعر بالخوف والارتباك لما تمكنت من فعل ذلك. في منتديات مملكة البحرين الموالية للنظام، كتبت إحدى المشاركات "محد يقدر يقول الصج الا اللي كان في مكان الحادث بالضبط، اما احنا سواء شيعة او سنة ما نقدر نحلل على كيفنا ولكن مع وجود الفيديو والصور الحالية الواضح انها كانت السبب، ولا احد يدافع عنها لان يبين كانت مقهورة على البحارنة و مظاهراتهم ومن القهر دعمت الشباب الموجودين والقهر اللي فيها ما يبرر لها انها تدوسهم مهما كان لانهم بشر وحرام قتل النفس بهاي الطريقة، انا سنية ومب راضية بالمسيرات الزايده اللي ما لها معنى بس ما اجوف له داعي انها تأشر لهم بيدها وبحركة ( مالت عليكم ) وبعدين تدوسهم بهذي الطريقة حرااااام، اتمنى ان ما تعمدت تدوسهم لان لو اثبتوا هالشي راح تنسجناكيد الصور والفيديو تبين انها لم تتعرض للضرب ولكن هي الغلطانة والله العالم " (4) منتديات مملكة البحرين الموالية. (أبو الفتوح) التي دَهَسَت، لا من قامت بدهسهم، هي من توجهت من فورها إلى شرطة محافظة العاصمة، لا لتقرّ بجنايتها في دهس مواطنين اثنين كانا يفسحان لها الطريق لتعبر بسلام، بل لتقدم بلاغاً عن اعتداء المتجمهرين عليها وإتلاف أجزاء من سيارتها، الأمر الذي -حسب زعمها- أصابها بالخوف على سلامتها. مدير عام شرطة محافظة العاصمة صرّح بذلك، وأضاف أنه تم تحرير محضر بالواقعة، وأنه قد تبين إصابة شخصين من المتجمهرين أثناء محاولة الفتاة التحرك بسيارتها (صحيفة الوسط 8 مارس 2011). إلا أن أي إجراء لم يتخذ ضد الجانية، لم يتخذ حتى منذ ذلك التصريح، وفي الحقيقة، لم يطالب بذلك أي من المواطنين المدهوسين، الذين لم يقبلا أن تتعرض فتاة في مجتمعهما لأي نوع من الأذى، واحتسبا دهسهما عند الوطن، وعند درء الفتنة الطائفية التي كانت تُشم ريح تتعمد تأجيجها. الأمر لم يقف بالمحتجين عند التغاضي عن حادثة الدهس والبصق والإهانة، بل أنهم قاموا في اليوم التالي الثلثاء (8 مارس/ آذار 2011)، بإرسال باقة ورد إلى أبو الفتوح، مفترضين منها عدم القصد فيما قامت به من فعل الدهس، ومعربين عن إبقائهم على الأصل الذي يربط بين الجميع في هذا الوطن مهما اختلفت الآراء والتوجهات السياسية، وتأكيداً على الوحدة، ورفض الشقاق والخلاف والكراهية، أن تأخذ طريقها بين أبناء الوطن الواحد، فيما قام آخرون بالاتصال بأبو الفتوح من أجل تطييب الخواطر، كي لا يعلق في النفس ما يفرق بين أبناء الوطن الواحد. كان هذا ما بدر من جانب المحتجين الذين تعرضوا للإهانة والبصق والدهس على يد فتاة اقتحمت بسيارتها عمداً وسط المتجمهرين، فعلوا ذلك من أجل الإبقاء على الوحدة أصلاً غير قابل للمساومة في هذا الوطن، فكيف كان الأمر في الجانب الآخر؟ وماذا كان ينتظر هناك عند مدخل منطقة البسيتين؟ نكمل في الحلقة التالية. |
.................................................
ساحة الشرفاء: الحلقة الثانية - صليل سيوف الكراهية
مرآة البحرين (خاص): هل كان اقتحام الفتاة لاعتصام المتجمهرين عند مرفأ البحرين المالي مصادفة أم أنه حدث مُدبّر؟ هل هو تصرّف شخصي أم مفتعل؟ كيف نفسَّر انتشار بيانات الفتاة كاملة مع عنوانها ورقم هاتفها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد أقل من 30 دقيقة من وقوع الحدث؟ من الذي قام بنشر البيانات كاملة بهذه السرعة؟ ومن يملكها غير وزارة الداخلية؟ وما الهدف من وراء ذلك النشر؟ لا يمكن الجزم بالإجابة على أي من الأسئلة السابقة لأنها متعددة الأوجه، لكن الحدث الذي ينتظرنا في هذه الحلقة، يكشف لنا عن بعض هذه الأوجه. تناولنا في الحلقة السابقة، رد فعل المعتصمين المباشر والفوري، على شتم الفتاة ودهسها لاثنين من المنظمين. كان رد الفعل باقة من الورد، واتصال هاتفي لتأكيد إبقاء الأخوة ودرء الفتنة الطائفية. بالمقابل تساءلنا عما ينتظرنا في الطرف الآخر. ■ فزعة الطائفة خلال ساعة واحدة من الحدث الذي وقع بين الساعة الخامسة والنصف والسادسة مساء، كانت الرسائل الهاتفية والالكترونية تنادي بـ(فزعة أهل السنّة) للدفاع عن (ابنة الطائفة). الفزعة شملت كل من منطقة البسيتين التي تقطنها الفتاة، والمحرق والرفاع وقلالي والمناطق الأخرى المحسوبة على الطائفة السنية. الرسائل تدّعي أن الشيعة (هاجموا) فتاة مرت (مصادفة) عند المرفأ، بسبب وضعها (صورة للقيادة) على سيارتها، وأنها (ارتبكت) فدهست، وأن (الشيعة) يعتزمون الهجوم على بيتها بعد أن نشروا عنوانها. وضعنا بين قوسين الكلمات التي ظهر ضعف صدقها في الحلقة السابقة. من خلال هذه الفزعة، بدا واضحاً أن تهييجاً طائفياً متعمداً كان يُعد له. ولأن الجماهير لا تعبأ بتقصي الحقائق بقدر ما تستجيب للشحن، فقد كان الهياج هو رد الفعل المباشر من الجماهير المشحونة طائفياً أصلاً. "بدأ التجمع يزداد عند الساعة التاسعة مساء، مع الكثير من الإشاعات بأن حافلتين من الدوار قصدتا البسيتين وأن الشرطة أرجعتهما، فكثر تجمع حاملي الهراوات والسكاكين، وصارت الساحة كأنها مدخل للمنطقة" ينقل لمرآة البحرين أحد قاطني منطقة البسيتين قريباً من الساحة. ■ سيوف متشابهة كيف كان شكل هذا التجمع؟ شاهدة عيان من سكنة المنطقة وتنتمي إلى المذهب السني، تصف لمرآة البحرين ما شهدته بالكامل: "كنتُ في سيارتي عائدة إلى بيتي الذي يقع في منطقة البسيتين. عند المدخل تيبَّست مكاني واجمة وصرخت: ما هذا؟ أكثر من 1000 شخص يحملون السيوف والسواطير والأسياخ الحديدية والألواح الخشبية ويرفعونها كمن يستعد للهجوم على عدو في حرب، منظر لم أره في حياتي من قبل، كانت السيوف ذات سطح عريض ولامع، بدت جديدة ومتشابهة وكأنها صُنعت على يد حدّاد واحد وأحضرت للتو وتم توزيعها، تساءلت في نفسي من أين أتى الناس بكل هذه السيوف المتشابهة دفعة واحدة؟ كانت تلمع في يد الصبية كأنها سهام من شر". ثم تضيف "كانوا يصرخون بطريقة هستيرية، ويقومون بتفتيش السيارات التي تأتي عند مدخل البسيتين، يفتشونها واحدة واحدة بحثاً عن شيعي يخطر من هنا. حركة السيارات توقفت تقريباً لشدة الازدحام. رحت أطالع في وجوه المسلحين وأتفرس فيها جيداً، لم أصدق ما أرى، بينهم جيراننا وأبناء جيراننا، صبية أراهم كل يوم يسيرون نحو مدارسهم مرتبين مهندمين، الليلة يحملون سيوفاً أطول من أعمارهم، تفرّست في وجوههم لأصدق ما أرى، لم تكن وجوههم تشبههم، كانت كراهية خالية من الوجه، كراهية تكفي وحدها أن تحرق بلداً، من أين أتت كل هذه الكراهية؟ كنت أرتجف ". ■ صِبْية الدير في الأثناء، كانت سيارة يركبها 6 شبان من الدير، وهي إحدى مناطق المحرق أيضاً، تتراوح أعمارهم بين 18-21 سنة، خارجين من محطة بنزين البسيتين، سالكين أقرب الطرق المؤدية إلى منطقتهم، وهي طريق تمر عبر هذا الشارع. لم يكونوا يعرفون ما ينتظرهم. سيتفاجأ هؤلاء بعشرات المتجمهرين يقومون بإيقافهم، يسألونهم عن وجهتهم. يقول شاهد عيان من المنطقة "سمعت الصبية يجيبون أنهم ذاهبون إلى منازلهم، لا أعرف ما الذي أتى بهؤلاء في هذا المكان في هذا الوقت، لقد حاولو الخروج، لكن لم يكن دخول البسيتين في تلك الليلة مثل الخروج منها، لقد تنادى المتجمهرون على السيارة وبدؤوا بضرب السيارة، كان الصبية في روع وذهول شديد مما يحيط بهم، فحاولوا الهرب بسيارتهم، لكنهم اصطدموا بسيارة واقفة، فقفز عليهم مئات المتجمهرين، ودارت بنا الأرض". شاهدة (المرآة) لا تزال واقفة في اكتظاظ السيارات حينها، وقد حدث الهجوم على سيارة الصبية أمامها مباشرة. تكمل روايتها لمرآة البحرين: "تحركت سيارة صبية الدير لتنجو بنفسها، وحاولت المرور من فرجة صغيرة صارت جهة اليسار، مازلت أذكر وجه الصبي الجالس في الأمام والرعب المرسوم على وجهه، تحركت السيارة بعصبية وارتباك ظاهر، وصدمت أحد جوانب سيارة بيضاء متوقفة بسبب الارتباك الشديد"، وتضيف مذهولة "إن هي إلا لحظة، ورأيت أحد المتجمهرين من الشباب جاء يركض من الخلف، ركب من فوره فوق السيارة، وراح يكسرها باللوح الخشبي الذي كان يحمله بيده، لحق به العشرات، هجموا جميعهم فوق السيارة يضربون كل بما في أيديهم، سيوف وسواطير وأسياخ حديدية وألواح خشبية، اختفت السيارة تحت الهجوم، لم أر غير السيوف والأخشاب تتعالى وتقع فوق السيارة، تراكض بعض الرجال الذين كانوا في موقع الحدث لتخليص الصبية من يد المتجمهرين قبل أن يقلتوهم، تم الهجوم على الصبية كمن يهاجم عدو ينشده منذ زمن، ضربوهم بكل ما في أيدهم من قوة ومن سلاح، بعد معركة من طرف واحد تمكن البعض من تخليص الصبية من يد الموت بعناء ومشقة، وتم أخذهم من فورهم إلى المستشفى، كانت ليلة رعب لم أعش مثلها في عمري، ولن أنساها أبداً". كان ذلك بعد الواحدة والنصف ليلاً. ■ رجااااااال في منتدى "أنا المسلم" الالكتروني، يعرّف أحد المشاركين نفسه بـ(بهاء الدين السماحي)، ويضع علم "تنظيم القاعدة" بروفايلاً شخصياً له، كتب يفتخر بطعم العزة التي ذاقها لأول مرة بمشاركته تلك الليلة: "لقد نزلت لأشتري ساطورا أتسلح به، ففوجئت بأن جميع المحلات الكبرى (المنتزه، آخر فرصة، ميجا مارت، ميدوي، رامز، ستي سنتر، جيان) لم يعد بها أي سكاكين نهائيا إلا سكينا طوله 12 سم فقط ... المهم أخوكم ذهب لورشة حدادة واشتريت منها عصا حديدية طولها متر و20سم واتجهت إلى حي البسيتين التابع لمدينة المحرق وظللت مع إخواني السنة مرابطين حتى قبل نصف ساعة من الآن، ورأيت في هذا المكان شجاعة إخواني، فذقت طعم العزة لأول مرة منذ زمن طويل حتى كدت أن أنساها، والجميل في الأمر أن تلاميذي في المدرسة الثانوية قد خرجوا عن بكرة أبيهم وأحدهم معه منشار والآخر مطرقة وآخر خشبة غليظة وآخر خنجر وآخر حديدة والكل يقسم أنهم لو رأوا الروافض ستكون البسيتين مقبرة لهم ثم تركت هناك ما لا يقل عن ألفين من إخواني السنة وننتظر رسالة من أي أحد نفزع لهم مرة أخرى".(2) ■ حرب الروافض أما محرقاوي (مشارك آخر)، فكان مزهوا بالانتصار على المجوس (يعني الشيعة)، رغم أنه يعترف أنه لم يأت منهم أحد. يقول في مشاركة تحت نفس الموضوع " فتجمع حوالي ألفي رجل من أهل السنة لحماية منزلها (يعني الفتاة)، و بقوا مرابطين من المغرب حتى صلاة الفجر وهم يكبرون ويهللون وينتظرون هجوماً رافضياً. فلم يدخلها المجوس، وأنى لهم ذلك، ولكن الذي حصل هو دخول سيارة رافضية من الدير ... فأخذهم الشباب السني وضربوها ضرباً مبرحاً، واستطاعوا أن يقتلوهم لكنهم رحموهم كما رحمهم إخوانهم من مدينة حمد، وحتى لا تُستغل الحادثة هذه إعلامياً، فاستدعوا سيارة الإسعاف التي كان يقودها رافضياً، واشترطوا أن ينقل السني أولاً إلى مستشفى العسكري! لا أن يأخذ إخوانه المعتدين من أهل الدير الأنجاس... و كان هذا بمثابة الدرس الصغير للرافضة، و"البروفا" لأهل السنة. ومن الطرائف في هذه الحادثة بأنه كان بعض الشباب يرتدي الزي الأفغاني ويحمل السيوف (3). الطريفة الأخيرة هذه، تكشف لنا هوية الوطن (الطالباني) الذي يحلم به هؤلاء وينادون باسمه ويحملون سيوف عزتهم في سبيله، كما يكشف لنا عن التكوين الذي قام عليه تجمع ساحة البسيتين التي سيصير اسمها ساحة الشرفاء، وعن التعطش للحرب الأهلية الطائفية التى يتمناها هؤلاء، وأن حادثة الفتاة سواء أكانت متعمدة أم مدبّرة، لم تكن أكثر من (غطاء) يُخفي النية الطالبانية في إشعال هذه الحرب، وأن الدفاع عن الوطن هو (غطاء أكبر) للدفاع عن الطائفة، ولعل مشاركة أخرى تحت نفس العنوان تكشف لنا هذا أكثر، "مهما وصل بملك البحرين من الظلم كما تزعمون فلا يجب أن يُترك، بل يجب أن يلتف السنه حوله، الآن ليس وقت خلافات بل وقت اتحاد في وجه الرافضه... الله يوفقكم ويحقن دماء أهل السنه ويمزق الرافضه كل ممزق" (4). كان هذا ما حدث في يوم 7 مارس. لكن من الذي جرأ السلفية الطالبانية أن تكشف عن أدوات عنفها وتكفيرها بهذا الشكل الفاقع، وأمام رجال الأمن وبحضورهم؟ من الذي أعطاها الضوء الأخضر؟ هذا ما سنحاول أن نعرفه في الحلقة القادمة. هوامش |
0 الكرونيكل:البحرين تشن حملة على الطلاب المحتجين بأحكام القاسية
التسميات:
حقوق الإنسان في البحرين،,
رهائن البحرين
![]() |
| مجرمي الجامعه المواليين للنظام طلقاء ! والمواليين للوطن تحت التعذيب والأحكام القاسية (صورة- ثورة البحرين) |
ترجمة غير رسمية لمركز البحرين لحقوق الإنسان
10 أكتوبر 2011
من قبل أورسولا ليندسي - القاهرة
المحتجين الذين خرجوا إلى الشوارع في البحرين منذ ثمانية أشهر، أملوا بجلب الربيع العربي إلى الخليج الفارسي الصغير و الجزيرة المملكة وإنهاء ما وصفوه بعقود من التمييز من جانب الأقلية السنية الحاكمة ضد الأغلبية الشيعية. ولكن عمليات القمع التي جاءت بددت آمال الإصلاح السلمي.
يقول جو ستورك ، نائب المدير التنفيذي لهيومن رايتس ووتش في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا :الحملة القمعية كانت ذات "تأثير مثبط" في حرم الجامعة. وقال طلاب وأساتذة من الشيعية أن التمييز ضدهم الآن "مفتوح على مصراعيه"، ووصفوه بجو من الخوف والشك الترهيب.
يوم 3 أكتوبر، حكم على ستة طلاب جامعيين بالسجن 15 عاما وطالب آخر لمدة 18 عاما من قبل محكمة عسكرية خاصة. كانوا متهمين بالشروع في القتل والحرق والتخريب على خلفية الاشتباكات التي وقعت في حرم جامعة البحرين، الجامعة الوطنية الرئيسية، في 13 مارس. الطلاب ومؤيديهم يقولون أن العنف الذي جرى في ذلك اليوم هو من قبل قوات أمن البحرين ومؤيدي الحكومة، و لم توجه اتهامات لأي أحد منهم.
الطلاب والأساتذة الآخرين يواجهون اتهامات التجمهر والتحريض وتعكير صفو السلام. وقد تم فصل ما لا يقل عن 100 من الأساتذة وإداريي الجامعة، وحرم نحو 60 طالبا من حقهم في مواصلة دراستهم.
والقضايا المعروضة على المحاكم، و الفصل، والطرد هي "جزء من حملة ضد كل المناهضين للحكومة والمحتجين المؤيدين للديمقراطية"، ويقول أحد أعضاء مركز البحرين لحقوق الإنسان، وهي مجموعة بارزة محلية قامت الحكومة بحلها في 2004 ولكن الأعضاء واصلوا العمل كمجهولين على الانترنت: "الحركة لم تتوقف حتى الآن. على الرغم من الهجوم عليهم و احتجازهم، و تعرضهم للتعذيب، و على الرغم من فصل الطلاب ، إلا أنهم لا يزالون يطالبون بحقوقهم، والحكومة تحاول إسكاتهم والضغط عليهم".
ابتداء من يوم 14 فبراير ، شهدت البحرين احتجاجات على غرار تلك التي أطاحت الأنظمة في تونس ومصر. بدأ سكان البحرين - أغلبيتهم من الشيعة الذين يمثلون الأغلبية في البلاد - اعتصام سلمي في ساحة مركزية معروفة باسم دوار اللؤلؤة، يطالبون بالمزيد من الحكم الديمقراطي والعدالة الاجتماعية من الأسرة الحاكمة السنية للجزيرة الصغيرة.
لكن السلطات اتهمت المتظاهرين بأنهم يريدون قلب نظام الحكم وبأنهم عملاء لإيران. في مارس ، دعت الحكومة قوات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ( الممالك السنية)، والتي أطلقت النار على المتظاهرين ، وهدمت النصب البارز الذي أعطى دوار اللؤلؤة اسمه، وأعلنت حالة الطوارئ. منذ ذلك الحين ، شنت حملة واسعة النطاق من المحاكمات والاعتقالات والطرد ليس فقط للأساتذة والطلاب، ولكن أيضا الآلاف من موظفي القطاع العام، والأطباء ، والمعلمين.
وفقا لتقرير هيومن رايتس ووتش الأخير إن قوات الامن الملثمين ألقت القبض على أساتذة في غارات ليلية على منازلهم وتعرضوا للضرب وتم تهديد الطلاب أثناء الاستجواب.
مسعود جهرمي ، وهو أستاذ اعتقل في مارس واحتجز في السجن الانفرادي لمدة شهر، تم محاكمته في 12 أكتوبر بتهمة "المشاركة في تجمع غير قانوني".
وقد تم فصل طلاب مبتعثين بحرينيين بسبب جرائم من قبيل "إعادة توجيه رسائل البريد الإلكتروني للتشهير بالبحرين "أو "انتقاد الحكومة أمام أساتذة غير بحرينيين".
كما يقول أستاذ فصل من جامعة البحرين ، تحدث الى الكرونيكل بشرط عدم الكشف عن هويته: "كل من فصل هم من الشيعة. تسعة وتسعون فاصلة تسعة في المئة من الذين سجنوا هم من الشيعة، ولا توجد طريقة يمكن القول انه ليس تمييز ضد الشيعة".
بعد استدعائه للمثول أمام لجنة من "أعضاء هيئة التدريس الموالية للحكومة"، يقول الأستاذ بأنه عرضت عليه صوره في مسيرة احتجاجية. وعندما تم تأكيد وجوده في المسيرة، قالت له لجنة التحقيق يمكن أن يستمر الاستجواب في وزارة الداخلية. و لا يزال يشعر بالقلق من أنه قد يواجه المزيد من الاستجوابات أو محاكمة، كما حدث ويحدث لبعض من زملائه.
و قال الأستاذ بأن التهم الموجهة إليه لم تكن على أساس أي شيء حدث داخل الجامعة. و يضيف"أنا لست ناشطا سياسيا". و"أنا لست عضوا في أي جمعية سياسية، ولكن أنا إنسان، لديه آراء سياسية".
كما طرد أكثر من 500 طالب جامعي.وقد أعيد أكثرهم ، بعد توقيع تعهدات بأنهم لن يشاركوا في أي أنشطة سياسية، داخل أو خارج الحرم الجامعي، على عقوبة الوقف الفوري. كما تم إبطال المنح الدراسية لبعض الطلاب الذين أعربوا عن تأييدهم للاحتجاجات.
إيمان عون هي واحدة من 31 طالبا من الذين لا يزالون مفصولين من بوليتكنك البحرين، كلية تقنية صغيرة و جديدة تأسست قبل بضع سنوات من قبل ولي العهد في مملكة البحرين. تقول الطالبة البالغة من العمر 20 عاما ، بأنه تم استجوابها من قبل محمد إبراهيم آل عسيري نائب الرئيس التنفيذي المعين حديثا في الجامعة، و إداريين آخرين في الجامعة.
وقالت "سألوني : هل تعرفين كم تنفق الحكومة عليك؟ لقد قلت إنه حقي وهو ليس بشيء يجعلني ممتنة لك"".
وتقول إيمان جامعتها أغلقت خلال الاحتجاجات ،ولكن "ظلوا يسألوني أسئلة عن أشياء لا علاقة لها ببوليتكنك البحرين :هل ذهبت إلى دوار اللؤلؤة ؟ كم مرة؟ هل تشاركين في أي مسيرات؟ وأراني نسخ مطبوعة من كتاباتي في الفيسبوك، وسألوا هل تعتبر مشاركاتك في الفيسبوك مهينة للقادة في البحرين؟ "
تم طرد إيمان للمشاركة في تجمعات ومسيرات غير مرخصة، داعية إلى إسقاط النظام ، والإساءة إلى الزعماء السياسيين في المملكة. كلا جامعة البحرين وبوليتكنك البحرين في رسائل طردهم أشاروا إلى قانون عام 2005 الذي يقول إن المؤسسات التربوية "يجب أن تغرس روح المواطنة والولاء للوطن والملك". لكن القانون ذاته يدعو الجامعات لتطوير "الوعي بمبادئ حقوق الإنسان" ، "قدرة الفرد على التفكير النقدي" ، و "الحق في حرية التعبير."
كما لم تستجب المؤسسة لطلبات الحصول على تعليق إلى الكرونيكل.
وإيمان تقول :بسبب طردها لا يمكن لها أن تتقدم لأي من الجامعات في المملكة.
وتضيف :"عائلتي تريدني متابعة دراستي في الخارج، لكنني لن أذهب، لأنه حقي الحصول على التعليم في بلدي، وأنا سوف أناضل حتى النهاية للحصول على حقي ".
كما تدعم الأسرة المالكة في البحرين من قبل المملكة العربية السعودية المجاورة، والتي تملك الاقلية الشيعية وتخشى النفوذ الإيراني في أوساط السكان الشيعة في المنطقة. ويقع المقر الرئيسي للأسطول الخامس الاميركي في البحرين، وقد اُنتقد مسؤولون أمريكيون على عدم التحدث علنا بقوة كافية ضد الحملة الامنية في المملكة. المشرعون في الولايات المتحدة طرحوا مؤخرا قرارات في مجلس الشيوخ والكونغرس لوقف بيع الأسلحة بقيمة 53 مليون دولار لمملكة البحرين التي من شأنها أن تذهب خلاف ذلك خلال هذا الشهر.
وفي الوقت نفسه ، خارج العاصمة المنامة، الاحتجاجات والاشتباكات مستمرة. والحملة الامنية فاقمت الانقسامات الطائفية داخل البلاد ومظالم الشيعة البحرينيين.
وقال أعضاء هيئة التدريس والطلاب إلى الكرونيكل: الجامعة تشجع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس على تقديم أدلة من "صفحات وسائل الإعلام الاجتماعية للطلاب والإداريين لإدانتهم". و تجري تحقيقاتها بالتنسيق مع قوات الأمن ، و قد خلقت جوا من الريبة والخوف في الجامعات.
في رسائل البريد الإلكتروني إلى الكرونيكل ،قالت طالبة جامعية شيعية لم ترغب في الكشف عن هويتها أنها انسحبت من هذا الفصل الدراسي خوفا من القبض عليها عندما تكون في الحرم الجامعي. ووصف طالب آخر الحرم الجامعي "يحيط به الأسوار والأسلاك الشائكة"، حيث يتم تفتيش الطلاب الشيعة و تهديدهم عند بوابات الجامعة من قبل مسؤولي وزارة الداخلية.
وقال أستاذ -اشترط عدم الكشف عن هويته - في جامعة البحرين "ما حدث لنا هنا هو أبعد من الفهم" "تم تحريض الناس ضد بعضهم البعض، و الثقة ليست موجودة بعد الآن. لا أثق بأي أحد الآن".
المقال الأصلي: chronicle.com
0 رابطة الصحافة البحرينية: تهرب قضائي من اعلان البراءة
التسميات:
أخبار اللؤلؤة,
رهائن البحرين
لندن، 11 أكتوبر 2011 – وصفت رابطة الصحافة البحرينية، وهي رابطة معنية بالدفاع عن حقوق الإعلاميين البحرينيين، ومقرها لندن، وصفت الاحكام الصادرة بغرامات مالية عن المحكمة الجنائية اليوم الثلاثاء الموافق لـ 11 أكتوبر 2011 في القضية المرفوعة ضد كل من رئيس تحرير صحيفة الوسط د. منصور الجمري، مدير التحرير وليد نويهض، سكرتير التحرير علي الشريفي، ورئيس قسم المحليات عقيل ميرزا، بمثابة تهرب قضائي واضح عن اعلان براءة الصحافيين مما نسب لهم من اتهامات.
وكان الصحافي الدكتور منصور الجمري الذي كرمته لجنة حماية الصحفيين الدولية CPU الأسبوع الماضي بمنحه الجائزة الدولية لحرية الصحافة 2011 جراء ما بذله في الدفاع عن حرية الصحافة والإعلام في الظروف الصعبة التي مرت على البلاد، قد مثُل برفقة باقي الصحافيين أمام المحكمة الجنائية على خلفية نشر أخبار كاذبة في صحيفة الوسط. وكشفت التحقيقات التي قدمتها هيئة الدفاع عن أن تزوير هذه الأخبار كان من خارج الصحيفة، وأن الأخبار المنشورة كانت صادرة من أحد العواصم الخليجية بهدف الإيقاع بالصحيفة التي كانت تعمل في ظروف صعبة بعد اعتداء عدد من "البلطجية" على مطبعتها، وكذلك صعوبة وصول الصحافيين لمقرها الواقع في المحافظة الشمالية التي تشهد اضطرابات أمنية منذ 14 فبراير الماضي. وشككت الدفاع بمصدر هذه الأخبار الكاذبة، وطلب الكشف عن هوية من أرسلها.
إلى ذلك، لا تزال المحاكم الجنائية البحرينية تنظر العديد من القضايا ضد الإعلاميين البحرينيين، منهم صحافيون ومصورون ومدونون في محاكم السلامة الوطنية والمحاكم المدنية بتهم تتعلق بالنشر والتصريح للقنوات الإعلامية المرئية والمسموعة. وكانت رابطة الصحافة البحرينية قد أصدرت تقرير "البحرين: الكلمة تساوي الموت" مطلع الشهر الجاري ووثقت حالات الإنتهاك والتعذيب والإقالات الجماعية التي طالت أكثر من 129 اعلامياً في البحرين بالإضافة الى عشرات الإعلاميين والمراسلين الأجانب للعديد من وكالات الأنباء وشاشات التلفزة الدولية.
- إنتهى –
رابطة الصحافة البحرينية
لجنة الرصد والتوثيق - لندن
0 فرانك غاردنر : لقاء الملك في مملكة البحرين المضطربة
الأحد، 16 أكتوبر 2011
التسميات:
أخبار اللؤلؤة,
حكاية اللؤلؤة,
صحف اللؤلؤة
![]() |
| فرانك مراسل ال بي بي سي للشئون الأمنية : نظرت لملامح رئيس الوزراء المتعبه وتذكرت أن المحتجين طالبوا بر حيلة. |
كانت هناك محاولة لجلب الربيع العربي الى البحرين لكنها فشلت، فقد أخلت الشرطة الشوارع واعتقلت بعض المحتجين، وانتشرت تقارير عن تعذيب يجري داخل السجون.
"تفضل، تناول قطعة شوكولاتة، ريثما أضع طفلي في سريره"، قالت لي فاطمة حجي.
في قرية جدرانها بيضاء ذهبت لرؤية طبيبة.
مثل غيرها من أبناء المهنة، تتهم فاطمة بالانضمام للمحتجين، وهو شيء تنفيه.
ما أقلقني هو طريقة معاملتها أثناء الاحتجاز.
تنظر في عيني بينما تحبس دموعها، وتخبرني أن محققة ضربتها بخرطوم مياه، ثم بعصا كهربائية، ثم هددتها باختطاف ابنها اذا لم "تعترف بجرائمها"، أخيرا وقعت أوراق الاعتراف.
حادثة كهذه وغيرها الآلاف التي تتداول عن سوء معاملة المعتقلين شوهت سمعة البحرين، التي يفترض أن فيها أكثر نظام قضائي وتعليمي تطورا في الخليج.
هذه الأحداث أثارت ارتباك الملك وامتعاضه، ولكنه لا يمسك بالضرورة بكل خيوط السلطة، هناك بعض الدوائر في السلطة لا تريد تقديم تنازلات للمحتجين.
وهناك فئة متشددة تريد إنزال أقصى العقوبات بالمتحجين الشيعة الذين تصفهم بالخونة، وتتهمهم بالولاء لإيران.
وحين تلقيت دعوة لحضور افتتاح دور البرلمان، وجدتها فرصة للقاء من يحكمون هذا البلد.
على مدخل البرلمان شهدت نموذجا لصراع القوى، فبينما رفض ضابط كبير السماح بدخول سيارتنا لوح رجل من ديوان الملك بالدعوة التي حصلنا عليها في وجهه.
وبينما كان هذا يدور كنت أراقب رجل شرطة يعبث بسلاحه في ظل نخلة، ويتفحصه كأنه يراه للمرة الأولى، ويصوبه تارة الى الأشجار وتارة الى السيارات وأخرى إلينا.
ثم دلفت الى قاعة كبيرة عبر فاحص للمعادن.
رجال بذقون مشذبة وعباءات مقصبة يتبادلون التحية على الطريقة المحلية، بأن يلامسوا بأنوفهم أنوف بعض.
كان هناك من يرتدون الدشداشة (الزي الخليجي التقليدي)، وكان هناك سفراء غربيون يرتدون البدلات، وضباط جيش بكامل حلتهم العسكرية وبشوارب تشبه شارب صدام، ونساء بعضهن محجبات وأخريات سافرات.
وفجأة سمعت صوتا يقول "سيد فرانك، جلالته يريد أن يحييك".
بعد أن عرض تقريري عن البحرين والذي لم يكن مجاملا، جاءت هذه اللفتة مفاجأة لي، ولكني توجهت على كرسيي المتحرك الى حيث الملك.
ابتسم الملك وصافحني، ذاكرا اياما قضيتها في بلاده في ظروف افضل.
ثم صافحت رئيس الوزراء الذي يحتفظ بمنصبه منذ 40 عاما، حين كان الشيلينغ ما زال متداولا في بريطانيا.
نظرت الى ملامحه المتعبة، وتذكرت أن المحتجين كانوا يطالبون برحيله.
"التقينا سابقا"، قلت.
"نعم، في استقبال الفندق قبل ثلاث سنوات"، أجاب.
أخافتني هذه الذاكرة.
القطة والفأر
في الليلة التالية رافقت دورية للشرطة أثناء جولة في المدينة، كانوا يبذلون جهودا لإثبات التزامهم بحقوق الإنسان.
ومع ان هؤلاء الشرطة ليسوا من اشتكت فاطمة من سلوكهم، إلا ان لهم صيتا سيئا ايضا، وتتردد أحاديث حول العنف الذي يمارسونه حين يذهبون لاعتقال شخص ما، فيرهبون عائلته ويذهبون به إلى مكان مجهول.
قال لي الضابط انهم ينبهون الناس أولا من خلال مكبرات الصوت، ويستخدمون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والقنابل الصوتية. ويقول ان بحوزة المحتجين أيضا أسلحة كقنابل الغاز والمقاليع.
دخلنا أحد الأزقة في قرية شيعية فراينا أطفالا يلوحون بأعلام البحرين ويرددون شعارات. رأيت أكوام الحجارة وأحسست رائحة قنابل الغاز.
قال الضابط "سيعودون الى البيت عما قليل، فغدا لديهم مدرسة".
بدا الأمر كأنه لعبة القط والفأر.
بعد قليل تفرق الأطفال فعلا، أما أنا فأحسست في الأجواء بوادر تكرار الأحاديث في وقت لاحق(المصدر).







